أنشطة وأخبار

فك رموز بندقية إرهابي نيوزيلاندا

تاريخ النشر : 16/03/2019

عدد المشاهدات : 686


فك رموز بندقية إرهابي نيوزيلاندا

بقلم: حماد القباج

المجرمون الإرهابيون الذين ارتكبوا مجزرة نيوزيلندا أمس الجمعة استندوا في تسويغ جريمتهم الوحشية على معطيات تاريخية، وقبل الإقدام على جريمته البشعة كتب المدعو (برينتون تارانت) رسالة مطولة حاول أن يجعلها حجة تبرر ما قام به، وملأها بأحقاد صليبية دفينة يريد اليمين المتطرف إحياءها بين الغربيين، ولخص ذلك فيما كتبه على البندقية التي ارتكب بها الجريمة ..

أقول لك أيها الإرهابي عديم الرحمة:

نحن المسلمون نعتز بالصفحات المشرقة من تاريخنا الحضاري الذي قدمنا فيه للبشرية خيرا كثيرا، ونعتز بالمبادئ القرآنية والنبوية التي تأسست عليها الحضارة الإسلامية، ونعتز بالتراث الإسلامي الملتزم بتلك المبادئ، ونعتز بالتوسع الإسلامي الذي نقل تلك المبادئ إلى البشرية، وقاوم الظلم والكراهية ونشر العدل وضمن حقوق أصحاب الديانات وعامل المسالمين منهم بأخلاق البر والقسط الذي أمر به القرآن الكريم، ونستنكر كل حركة توسعية قامت على الظلم والعدوان؛ سواء قام بها مسلمون أو غيرهم، ونفتخر بأهم محطات ذلك التوسع المشرّف؛ ومنها:

1 فتح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبيت المقدس سنة 17 هجرية

2 فتح الدولة الأموية للأندلس سنة 107 هجرية

3 فتح صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس مرة أخرى سنة 699 هجرية

4 وفتح السلطان العثماني محمد الثاني للقسطنطينية سنة 857 هجرية …

ونسجل افتخارنا بالفرق الكبير بين معاملة قاداتنا التاريخيين لأهالي تلك الأراضي، وبين معاملة الأوروبيين الصليبيين الغزاة الذين ارتكبوا أبشع الجرائم لما دخلوا بيت المقدس، ولما طردوا المسلمين من الأندلس، كما نكّلوا باليهود في أوروبا وعاملوهم بحقد ووحشية في الوقت الذي عاملهم المسلمون بالمبدأ القرآني الإنساني: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، 9]

وقد أدرك اليهود الفرق الكبير بين ما عاملهم به المسلمون في الأندلس وغيرها، وما عاملهم به الأوروبيون تاريخيا ..

يقول التاريخ: “عامل صلاح الدين القدس وسكانها معاملة أرق وأخف بكثير مما عاملهم الغزاة الصليبيون؛ حيث قتل الصليبيون آنذاك كل أهالي القدس من رجا وكهول ونساء وأطفال، و70 ألفا آخرين قتلوهم في ساحة المسجد الأقصى.

فلم تقع من صلاح الدين أي قساوة لا معنى لها ولا تدمير، ولكنه سمح لهم بمغادرة القدس في غضون 40 يوما، بعد دفع فدية عن كل رجل وامرأة وطفل، وأظهر صلاح الدين تسامحا كبيرا مع فقراء الصليبيين الذي عجزا عن دفع الجزية”.

ولما فتح محمد الثاني القسطنطينية؛ أمّن النصارى وسمح لهم بالعودة إلى منازلهم آمنينَ على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يعود كل واحد منهم إلى عمله الذي كان يُمَارسه من قبل، فنزل هذا التأمين بردًا وسلامًا على أهل القسطنطينية، وقد كانوا يتوقعون أن ينكل بهم المسلمون.

وكان نفر من الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة خوفًا من القتل، فلما سمعوا بما فعله الفاتح، وحسن معاملته للنصارى؛ خرجوا من أماكنهم، وأعلن كثيرٌ منهم إسلامهم.

وأمر السُّلطانُ بمُداواة الجرحى من النصارى، وفدى كثيرًا من كبار الأسرى، وأمر بدفن قُسْطَنْطِين في مقبرة ملوك النَّصارى، ثُمَّ أمر النَّصارى أن ينتخِبوا أحد رهبانهم بطريركًا لهم، فجعله مسؤولاً عن شؤونهم وزواجهم وميراثهم وما يتعلَّق بدينهم، وأعطاه مقرًّا لعمله، وبالَغَ في إكرامه، حتى خجِل النصارى من كرم الفاتح فقال البطريرك: “إن الأباطرة النصارى لم يفعلوا قطّ مثلَ هذا لِمَن سَبَقَهُ مِنَ البَطَارِكَة”.

وقد قال المؤرخون: “إنَّ السّلطانَ الفاتح قد حنا على أهْلِ القُسْطَنْطِينيَّة حُنُوَّ الوالد الشفيق العطوف على ولده”.

ولا تزال مدينة فيونيتسا البوسنية تحتفظ بوثيقة “عهدنامة” التي أصدرها السلطان العثماني محمد الفاتح للراهب الفرنسيسكاني الأب أنجلو زفيزدوفيتش؛ وهي الأولى التي كفلت للنصارى وجودهم وحقوقاً أساسية في ظل الحكم العثماني.

جاء في الوثيقة المذكورة قول محمد الفاتح: “ليستقروا في أديرتهم.. لا أنا ولا أي من وزرائي أو حاشيتي أو رعيتي أو خدمي أو أي من مواطني إمبراطوريتي يسمح لهم بإيذائهم أو تهديد حياتهم وممتلكات كنيستهم”.

لقد تفوق المسلمون أخلاقيا، وكان استعمالهم للقوة منطقيا وفي إطار مبادئ سامية ..

أما أجداد إرهابيي نيوزيلندا فكانوا بالبشاعة والوحشية التي جسدها المجرم المدعو (برينتون تارانت) فيما ارتكبه من جريمة المسجدين؛ التي لم يفرق فيها بين صغير وكبير، ولا رجل وامرأة؛ بل أمعن في قتل سيدة جريحة تستغيث ..

أي وحشية هذه؟ وأي إرهاب هذا؟؟

وهكذا فعل أجداده في الشام والأندلس .. وهكذا فعل أصحابه في البوسنة والعراق ..

فعلا وحقا: ينطبق علينا وعليكم أيها الإرهابيون الغربيون قول الشاعر:

ملكنا فكان العفو منا سجية                      وملكتم فسال الدم أبطح

فحسبكمو هذا التفاوت بيننا                   وكل إناء بما فيه ينضح

هذا عن التاريخ، أما اليوم فنقول لشركائنا في الإنسانية وعقلاء الغربيين الذي يؤمنون صدقا بالتعايش وحقوق الإنسان:

يمكن لكل واحد منا أن يدعو إلى دينه وما أمر به من الخير وترك الشر؛ دون عنف ولا حقد، والإسلام سمي إسلاما لأنه يدعو إلى إسلام الوجه لله وأن يسلم الناس من أذية بعضهم لبعض؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده“.

ومن هنا جاء المبدأ القرآني: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]

فإذا اختارت البشرية السلم ونبذت العنف؛ فهذا ما يريده الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى دينا لعباده ..

والمطلوب اليوم أن تتكاثف جهود العقلاء لإيجاد المجتمعات السلمية القائمة على مبدأ التعايش والتراحم والتي تتدافع فيها الأفكار بالعلم والبرهان لا بالعنف والحقد، ومجتمع نيوزيلندا نموذج مشرق ينبغي تشجيعه وتوسيع ثقافته ..

ولن تنجح البشرية في امتحان تعميم السلم إلا بالنجاح في رفع الظلم الذي يعاني منه المسلمون بالدرجة الأولى: ونحن نرى مآسيهم في الشام والعراق وأفغانستان، مرورا بتاريخ البوسنة ومآسي البلقان ..إلـخ.

ولا ننسى أن الرئيس الأمريكي بوش الصغير وصف غزوه للعراق ب: (الحرب الصليبية).

وهذه روح شريرة يجب على الغربيين مقاومتها، والتخلص منها، ولا مجال للمقارنة بين تلك الروح التي توظف دولا في مشروعها الإرهابي، وبين ما يرتكبه مسلمون يقاومون الظلم، أو إرهابيون ينسبون إلى المسلمين – والله أعلم بحقيقة أمرهم -؟

المسلمون اليوم هم المظلومون المقهورون، ومع ذلك يحاول إعلام الإمبريالية المتصهينة أن يحملهم مسؤولية الإرهاب العالمي.

إن الدول الإسلامية التي حققت قدرا هاما من الاستقلال عن الخضوع للسياسات الإمبريالية؛ أثبتت تمسك المسلمين بعالم متقدم متعايش قائم على العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان ..

والنموذج الأبرز: في الدولة التركية التي تشكل نوعا من الامتداد المعاصر للدولة العثمانية، والتي دعا إرهابيو جريمة نيوزيلندا إلى قتل رئيسها!

هذه الدولة لها جالية كبيرة في أوروبا، وهذه الجالية تقدم – بإشراف الدولة – نموذجا حضاريا مشرفا على سلوك التعايش الكريم والاندماج الإيجابي واحترام الآخر والتعاون معه على الخير المشترك واحترام القانون وحقوق الإنسان والآليات الديمقراطية ونبذ العنف ..

فأين أنتم من هذا السلوك الحضاري؛ أيها الإرهابيون الوحشيون الساعون لإحياء وتجديد المظالم الصليبية الوحشية التي هي عورة قبيحة في تاريخكم يجب عليكم سترها والاستحياء من التذكير بها ..

أود في ختام هذه الرسالة؛ أن ألفت الانتباه إلى أن حادثة مسجدي نيوزلاندا مؤشر على الحجم المهول لطبيعة الإرهاب في الفكر والسلوك الأوروبي المتطرف:
1 من حيث عدد الضحايا الذي قارب 50 !
مع أن المبدأ الإلهي يقول: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]

2 من حيث درجة الكراهية في نفسية مرتكبه؛ الذي بيّت للجريمة ووثّقها وسوغها بتقرير وأمعن في ممارستها مع غياب أي قدر من الرحمة ..
3 من حيث استهداف ناس يعبدون ربهم في بيت عبادة، وليس لديهم أي موقف سياسي -مباشر أو غير مباشر- داعم للإرهاب والعنف ..
4 من حيث استهداف بلد يقدم نموذجا ناجحا على التعايش المطلوب بين أهل الديانات والمعتقدات؛ القائم على المبدأ الإلهي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]

استهداف هذا البلد النموذج؛ مؤشر قوي على أن المتطرفين الغربيين لا يبحثون عن الانتقام من خصومهم فقط؛ بل يريدون عالما خاليا من الأمن والسلام؛ وهو ما أكده مرتكب الجريمة في إشادته بالجرائم الصليبية التاريخية  ..
ليس ثمة أي مسوغ يسوغ الإرهاب المجرم؛ ومع ذلك أسجل فرقا بين نوعية الإرهاب الذي هز نيوزلاندا، ونوعية الإرهاب الذي يحاول تسويغ جرائمه القذرة بكونه ردة فعل على ما تمارسه الإمبريالية من إرهاب وحشي دمرت به دولا وشعوبا .. وكلاهما مرفوض .. لكن الفرق المذكور يلزم السياسيين والمثقفين أن يحاربوا الإرهاب (الإسلاموفوبي) بحجم أكبر من محاربة إرهاب المتطرفين المحسوبين على المسلمين ..

أسأل الله تعالى الرحمة والمغفرة لشهداء جريمة نيوزلاندا، والشفاء والسكينة للجرحى وأقارب الضحايا ..
إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها.

وسوم :

مواد ذات صلة

ماذا قال لي المغراوي عن تفجيرات 16 ماي؟

تاريخ النشر : 16/06/2019

عدد المشاهدات : 676

التعايش والأذان في الإسلام

تاريخ النشر : 2/04/2019

عدد المشاهدات : 1024

فقه آيات الجهاد حصانة من الإرهاب

تاريخ النشر : 31/12/2018

عدد المشاهدات : 558

نكبة الغوطة .. وسؤال العدالة في العقيدة الإسلامية؟

تاريخ النشر : 27/02/2018

عدد المشاهدات : 599

لعنة الله على الإرهابيين المجرمين ..

تاريخ النشر : 28/07/2017

عدد المشاهدات : 257

'