أنشطة وأخبار

سياسة محمد الثالث لتعزيز علاقة الدولتين العثمانية والمغربية ح 1

تاريخ النشر : 26/07/2018

عدد المشاهدات : 218


العلاقة المغربية العثمانية 2

سياسة محمد الثالث لتعزيز علاقة الدولتين العثمانية والمغربية

الحلقة الأولى

 

إعداد: حماد القباج

أشرت في المقالة السابقة بعنوان: “لمحة عن التعاون المغربي العثماني“؛ إلى بعض مواقف السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث) (المتوفى عام 1204 هـ / 1790 م) للنهوض بالعلاقات المغربية التركية.

وهي جزء من سياساته النهضوية التي تناثر الحديث عنها في مصادر تتبعت ما تيسر منها لتغذية دراستي عن محاولات النهضة المغربية منذ القرن الثامن عشر.

وفي هذه المقالة ألخص من تلك الدراسة ما يتعلق بسياسة السلطان محمد الثالث لإحياء وتعزيز العلاقات بين الدولة المغربية  العلوية والدولة العثمانية التركية؛ كموقف استراتيجي لمحاولة النهوض بأوضاع العالم الإسلامي:

لقد اعتلى سيدي محمد بن عبد الله عرش المغرب سنة 1757، وهي السنة نفسها التي عين فيها مصطفى الثالث سلطانا على الإمبراطورية العثمانية.

ووظف السلطان المغربي السنوات الأولى في تنظيم أراضيه الفقيرة كليا والمختلة النظام؛ بسبب الصراعات الداخلية لأسلافه؛ حيث وجد المدن مخربة، وقبائل بلاد المخزن وبلاد السيبة منفصلة وغير متصالحة فيما بينها، والتجارة الداخلية والخارجية في تدهور؛ وباختصار كان كل شيء في حالة من الفوضى والانهيار. ولم يكن للسلطان الشاب آنذاك وقت للاهتمام بعلاقاته مع الخارج؛ خاصة مع تركيا البعيدة، التي كان يفتقر إلى وسائل الاتصال الأساسية معها، إذ لم تكن البلاد التي ورثها تتوفر على سفن قادرة على الوصول إلى القسطنطينية.

إن الاتصالات الأولى لسيدي محمد بن عبد الله مع الأتراك العثمانيين عادت إلى سنة 1762؛ حيث ذهب الخياط عادل الفاسي، سفير سيدي محمد بن عبد الله، إلى البلاط العثماني في مهمة رسمية لتقديم التهاني للخليفة بمناسبة اعتلائه العرش، وهي مناسبة كان قد مر عليها خمس سنوات تقريبا، وذلك لإعادة علاقات الصداقة والأخوة التي كانت قد توقفت منذ مدة طويلة[1].

وقد بين ممثل نابولي في البلاط التركي (كييرمو لودولف)؛ أن هدف الملك العلوي تمثل في سعيه إلى أن يظهر للأتراك، وبشكل ما، صفته باعتباره شريفا وزعيما دينيا وسياسيا للشعب المسلم في دول المغرب.

وكانت لموكب العادل الفاسي، الذي تشكل من ثلاث شخصيات كبرى، وعدد كبير من الخدم، وهدايا ثمينة قدرت بحوالي مائة ألف زكين؛ دلالات بالنسبة لسيدي محمد بن عبد الله، أكبر من مجرد مظهر للمجاملة؛ إذ يبدو أن السفارة ذهبت للتدارس مع الخليفة الشكل الذي يتمكن به الحجاج المغاربة من الوصول إلى مكة عبر الأراضي الخاضعة لسلطته دون الخوف من التعرض لسلب أغراضهم. وحسب لودولف، فإن هذا كان يقوم به باستمرار أمير مصر المكلف بنقل الحجاج من القاهرة إلى مكة.

وكيفما كانت أهداف سيدي محمد بن عبد الله، من خلال انتدابه للعادل الفاسي إلى القسطنطينية، فلا يبدو أن مصطفى الثالث أعار اهتماما كبيرا آنذاك، للسلطان المغربي؛ فقد استقبلت سفارته دون مباهاة، بل بالمراسيم نفسها التي تستقبل بها بعثات ولايات شمال إفريقيا البربرية التابعة للسلطان العثماني.

حيث إن الوزير الأول التركي ترك العادل الفاسي لوقت طويل في قاعة الانتظار قبل أن يتم استقباله رسميا.

وفي كل الأحوال، فقد تمكن سيدي محمد بن عبد الله بفضل هذه السفارة الأولى من فتح طريق جديد في مسار العلاقات بين إمبراطورية القسطنطينية التركية والعلويين المغاربة.

وقد ذكر مؤرخون مغاربة؛ بأن الباب العالي رد بالمثل على الهدايا القيمة التي تلقاها من مبعوث سيدي محمد بن عبد الله؛ حيث أرسل له عن طريق السفير نفسه كمية كبيرة من الذخائر الحربية البحرية، وبعض المدافع، وهو العتاد الذي كان السلطان المغربي في حاجة إليه في عملية إعادة التنظيم العسكري[2].

في ذلك الوقت كان محمد الثالث قد حقق إنجازا هاما؛ تمثل في عقد اتفاق ثنائي بين إسبانيا والمغرب على تحرير الأسرى لدى الطرفين قبل أية مفاوضات.

وقد فاجأ هذا القسطنطينية بشكل كبير؛ وكانت دهشتها أكبر عندما أخبرها حكام الجزائر عن التشريفات غير العادية التي استقبل بها المبعوث المغربي أحمد الغزال، الذي توجه للتفاوض مع مدريد، في حين أن الخليفة العثماني استقبل السفراء المغاربة بمراسيم قليلة الأهمية.

وأكدت الأخبار التي نقلها الجزائريون إلى الباب العالي فيما يتعلق بالعلاقات الإسبانية – المغربية للأتراك؛ الدعم والنفوذ الكبيرين اللذين اكتسبهما سيدي محمد بن عبد الله لدى الدول الأوروبية.

وتجاه هذه الأوضاع الجديدة، كان من الصعب والمزعج بالنسبة إلى البلاط العثماني تجاهل وجود الإمبراطورية المغربية.

وفي هذا السياق؛ وصل كاتبا السلطان العلوي: الطاهر بن عبد السلام السلاوي، والطاهر بناني الرباطي إلى القسطنطينية سنة 1766 بصفة سفيرين[3].

وفي سنة 1767 يبدو أنه كان في القسطنطينية مندوب شبه دائم للمغرب، وعن طريقه علم الأتراك أن إسبانيا لم توقع فقط معاهدة سلام وتجارة مع بلاده، بل قام الملك الإسباني، إضافة إلى ذلك، بتحرير حوالي 800 أسير مسلم، وتسليمهم إلى سلطان المغرب، كان من بينهم 300 مغربي، والباقي كلهم جزائريون وتونسيون وطرابلسيون وأيضا رعايا مباشرون للباب العالي[4].

ووصلت من القسطنطينية إلى المغرب في أكتوبر من سنة 1767 نفسها المساعدة التقنية العسكرية الأولى المكونة من مجموعة من العمال المتخصصين في كل أنواع المدفعية، وتحددت مهمتهم في إعادة إنشاء بطاريات المدافع العديدة والمخربة في الموانئ والحصون المغربية القوية[5].

وجاءت السفينة الفرنسية التي نقلتهم من العاصمة العثمانية إلى ميناء العرائش محملة أيضا بمعدات كثيرة لإعادة بناء المراكب ومدفعيتين وألف قنبلة[6]، وكل هذا ثم نقله بواسطة 500 ثور إلى مدينة الصويرة (موكادور)[7]، التي كانت حديثة النشأة.

وأخذا بعين الاعتبار لهذا كله؛ فليس من المستغرب أن يحظى عبد الكريم راغون التطواني، وهو شخصية كبيرة قادت السفارة الثالثة لسيدي محمد بن عبد الله، باستقبال حافل من قبل مصطفى الثالث في أواخر 1767 أو أوائل 1768.

وكلف أساسا بمهمة تقديم الشكر للخليفة على مساعدته العسكرية القيمة التي أرسلها إلى السلطان المغربي.

وهكذا أصبحت اقتراحات السلطان العلوي محل اهتمام السلطان العثماني، ويتم القيام بكل ما يمكن للرد على كرمه بسخاء[8].

وهكذا حقق سيدي محمد بن عبد الله غايته بالدخول بكل شرف إلى دائرة الدول الإسلامية الكبرى.

بعد ذلك بزمن قصير؛ وبالضبط يوم 6 أكتوبر 1768؛ أعلن مصطفى الثالث الحرب على روسيا التي اتحدت مع النمسا وبروسيا لهزم الدولة العثمانية؛ وأجبرت سلطانها على إخلاء جزء كبير من الأراضي التي كانت تحت سلطته آنذاك في أوروبا؛ نتيجة هزيمة الجيش التركي في عدد من المعارك التي خاضها للوقوف في وجه تقدم جنود كاتالينا الثانية[9].

وتسبب هذا العائق في التراجع عن مخططات التعاون والمساعدة العسكرية التي انتظرها سيدي محمد بن عبد الله من الباب العالي من أجل غزو الثغور الأجنبية في بلاده.

ويبدو أن الأمور كانت تسير قبيل إعلان الحرب بقليل؛ على أحسن ما يرام بين بلاطي القسطنطينية ومراكش؛ ففي دجنبر 1768 قام السلطان بمحاولات إرسال بعثة دبلوماسية جديدة إلى الخليفة برئاسة أحد أقاربه، في الوقت الذي بدأت فيه الاستعدادات المباشرة لحصار مدينة الجديدة (مزاكان)، وذلك ربما لكي يخبره باستلامها بفضل المساعدة التي سيقدمها له – والتي منحت له بالفعل، وكانت قيمة – وتجلت في تقنيي المدافع الذين بعثهم إليه بهذه المناسبة.

وتمكن سيدي محمد بن عبد الله من السيطرة على مازاكان في أوائل 1769؛ لكن القنصل الفرنسي شينيي أبلغه أثناء الحصار بالخبر السيء حول إعلان الحرب بين روسيا وتركيا[10].

وامتعض سيدي محمد بن عبد الله من هذا الخبر الطارئ، وشكر الدبلوماسي الفرنسي على معلومته[11].

لقد أنفق السلطان المغربي مبالغ هامة لإرجاع مازاكان، واستمر في اقتناء الأسلحة الثقيلة من أوروبا، بهدف استعمالها في المستقبل لاسترجاع الثغور الأجنبية في البلاد، لكن هذا لم يمنعه من التفكير جديا في طريقة لمساعدة إخوانه الأتراك؛ إن لم يكن عسكريا، فعلى الأقل اقتصاديا.

وتجاه الموقف المتهاون للقنصل الفرنسي في مساعدته على إرسال بعثة مغربية إلى الخليفة ترأسها أحد “الشرفاء”، كلف سيدي محمد بن عبد الله، التجار الفرنسيين المقيمين في البلاد بإيصالها إلى وجهتها، دون علم الدبلوماسي الفرنسي الذي لم يرقه هذا التصرف مطلقا[12].

وكانت رغبة العاهل العلوي، في الحقيقة، تتمثل في إثبات حضوره المعنوي لدى الخليفة بهدف دعمه ورفع الروح القتالية لجنوده واضحة جدا؛ فما أن خرجت السفارة السابقة في اتجاه الشرق، حتى بدأ يعد لإخراج أخرى.

وينم الإعلان عن ترأس ضابط سام لهذه السفارة الجديدة بمعية موكب من 40 شخصية، بالإضافة إلى هدايا اشتملت على الأسلحة والخيول والسروج الثمينة، عن النوايا البارزة للسلطان المغربي، الذي طلب عدة مرات من الملك الفرنسي سفينة أو اثنين لنقل هذه البعثة الهامة من تطوان إلى القسطنطينية، لكن دوق براسليم تذرع في الأخير باستحالة مرور بواخر فرنسية في شرق المتوسط، وذلك بسبب الحرب التركية – الروسية[13].

لم يتخل السلطان عن واجبه في الوقوف إلى جانب الباب العالي ومساعدته؛ واستمر في استقصاء الأخبار الصحيحة من بلاط باريس حول مسير الحرب[14]. ثم تحول نحو إسبانيا، عن طريق سفيره السابق في هذه الدولة أحمد الغزال، في البحث عن المساعدة لإرسال تلك السفارة إلى القسطنطينية، بما أن فرنسا رفضت ذلك[15].

غير أنه يفترض أن هذه السفارة لم تصل إلى غايتها؛ حيث لم يشر إليها المؤرخون المغاربة، كما لم تذكر عنها شيء المراسلات الدبلوماسية الفرنسية والإسبانية في بلاغاتها اللاحقة إلى حكومتيها.

وقد تمكن السلطان مع كل هذا، سنة 1773 من إيصال بعض الأغراض الثمينة إلى باي تونس علي باشا ليرسلها بدوره إلى الخليفة العثماني[16].

والأكيد أن مصطفى الثالث لم يجب مباشرة عن هذه البادرة اللطيفة من السلطان العلوي، الذي تضايق كثيرا، وصاح قائلا: “أنا ملك مملكة كبيرة، وسليل مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم، ويحق لي الحصول على جواب، إن لم يكن لمكانة مملكتنا، فعللا الأقل احتراما لنسبنا”.

وقد اعتذر البلاط العثماني لاحقا، بعد سنوات عن ذلك، على هذا السلوك غير المهذب[17].

يتبع بإذن الله تعالى ..

[1]  الزياني، البستان، ص. 117؛ الناصيري، الاستقصا، ج 7، ص. 17؛ ابن زيدان، الإتحاف، ج. 3، ص. 162 و298.

[2]  ابن زيدان، الإتحاف، ج. 3، ص. 298.

[3]  الزياني، البستان، ص. 19، الناصري، الاستقصا، 8ـ ص. 31 ترجمة فوماي، ج. 9، ص. 300 و309، ابن زيدان، الإتحاف 3، ص. 199 و298. وإلى هؤلاء السفراء أشار لودورف في رسالته بتاريخ 8 فبراير 1766، قائلا أنهم خرجوا من جبل طارق، لكنهم لم يصلوا بعد إلى القسطنطينية.

[4]  حول حضور مندوب مغربي في البلاط العثماني تحدث لودولف عندما كتب أن السيد الأكبر سأل الوزير المغربي المقيم في القسطنطينية بخصوص حقيقة تحرير الأسرى المسلمين في إسبانيا (رسالة لودولف CChG ,p.81.1767).

[5]  رسالة شينيي، آسفي 5 أكتوبر 1767 CChG ,p.81..

[6]  رسالة الهامش السابق، المرجع نفسه، ص. 82.

[7]  رسالة شينيي، آسفي 8 نونبر 1767، المرجع نفسه، ص. 85.

[8]  الزياني، البستان، ص. 121.

[9]  Cf.la vallee.t.histoire de lempire ottoman.paris 1855.pp.394 y ss.

[10]  رسالة شينيي، سلا 13 يناير 1769، cchg.p.121.

[11]  رسالة شينيي، سلا 19 فبراير 1769، المرجع نفسه، ص. 122.

[12]  رسالتا شينيي، سلا 3 و17 يونيو 1769، المرجع نفسه، ص. 132،136.

[13]  رسالة شينيي، سلا 2،10،12،24 مايو، 30 شتنبر 1770، المرجع نفسه، ص. 151-4، 157-8، 172-3.

وحسب بلاغ حاكم سبتة، الماركيز دي كاسا تريما نييس، فقد كان أحمد الغزال هو المنتدب للذهاب سفيرا إلى القسطنطينية (سبتة 16 شتنبر 1769، ahn.estado.leg.4309). لكن من خلال نص إحدى رسائل شينيي التي أعاد فيها إرسال التماس الغزال نفسه، يستشف أنه لم يكن هو المنتخب لهذه المهمة.

[14]  رسالة شينيي، سلا 20 يونيو 1771، cchg.pp.201 y ss.

[15]  كتب بريموند إلى مدريد في مارس 1771، أن السفير إلى تركيا كان هو أحمد الغزال، الذي طلب منه مساعدة اقتصادية لتحقيق الرحلة (العرائش 27 مارس 1771، ahn.estado.leg. 4309.

[16]  رسالة بريموند، العرائش 26 أكتوبر 1773، ahn.estado.leg.4309.

[17]  CF.BARNIER DE MEYNARD ; A. Une ambassade marocaine a constantinople.p.12.

وانظر للتوسع: السياسة الخارجية للمغرب في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الجزء الثاني ص 239 إلى 246.

وسوم :

مواد ذات صلة

السياسة البريطانية الأمريكية للدولة السعودية

تاريخ النشر : 7/10/2018

عدد المشاهدات : 244

لا نرضى أن تقال كلمة سوء في حق الأتراك

تاريخ النشر : 28/09/2018

عدد المشاهدات : 133

السلطان محمد الثالث وسياسة فك الأسرى

تاريخ النشر : 17/09/2018

عدد المشاهدات : 160

رسالة الخطابي إلى بلعربي العلوي

تاريخ النشر : 9/09/2018

عدد المشاهدات : 1046

حصار السلطان محمد الثالث لمليلية وخيانة داي الجزائر

تاريخ النشر : 23/08/2018

عدد المشاهدات : 400

'