أنشطة وأخبار

ابن الباقلاني والأشاعرة والاعتدال

تاريخ النشر : 11/04/2015

عدد المشاهدات : 608


حماد القباج

الاعتدال في نقد الرجال (7)

 

خصصت الحلقة السابعة من سلسلة “الاعتدال في نقد الرجال”؛ لهذا الموضوع؛ تجاوبا مع الأخ الأستاذ أبو عبد الرحمن ذو الفقار بولعويدي في سلسلته: “قطع اللجاج بتقويم ما في اعتدال أخينا القباج من اعوجاج”.

وأود أولا أن أتوجه إليه بجزيل الشكر وموفور التقدير على اهتمامه بنصح أخيه وتقويم اعوجاجه الذي هو ملازم له بصفته إنسانا خطّاء؛ جعلني الله وإياه من خير الخطائين ..

كما أشكره على ما استفدته من فوائد من مقالاته ..

وفي الوقت نفسه؛ أسجل عتابي له على استعماله بعض الألفاظ القاسية، وإصداره بعض الأحكام الجاهزة ..

لكن تبقى المؤاخذة الكبيرة عندي عليه؛ هي جرأته الخطيرة على أئمة ما كنت أريد منه أن يتكلم عنهم بذلك الشكل، وأن يصدر في حقهم تلك الأحكام القاسية والخطيرة.

وسأبذل جهدي لإقناعه بالتراجع عن ذلك، والتحلل منه قبل أن يدركه أجله؛ وبالله تعالى التوفيق:

لقد تأملت في مقالات الأخ الفاضل؛ فوجدت أن مدخل الخطأ عنده؛ أنه ينطلق من مسَلّمة خاطئة؛ وهي: الحكم بضلال الأشاعرة دون تفصيل.

فهم عنده بلفظه: “فرقة من أهل الضلال والبدعة”.

ومن هنا جزم بانحراف الإمام ابن الباقلاني وأنه ليس من أهل السنة!

وتبعا لذلك أيضا؛ جزم بانحراف الإمام أبي ذر الهروي بسبب ابن الباقلاني!

قال: “ليت شعري ما سر اهتمام القباج بجانب معاملة الدارقطني، وتسليطه الأضواء على مقدمة الحادثة، دون جانب خاتمتها السيئة ونتيجتها الوخيمة وثمرتها الفاسدة. والتي تتجلى بوضوح في التأثر الشديد لأبي ذر الهروي بصنيع الدارقطني من توقيره لابن الباقلاني، الشيء الذي أدى بأبي ذر الهروي من اتباع هذا الأخير في بدعة الأشعرية، وسقوطه في أحضان الأشاعرة”.

وجزم في موطن آخر ب”انحراف أبي ذر الهروي عن عقيدة أهل السنة إلى عقيدة الأشاعرة”!

وسبب وقوع الأخ في تلك الأخطاء المركبة؛ أنه لم يستوعب أمرين اثنين:

1 الفرق بين مدارس الأشعرية، وأن المذهب الأشعري عرف تطورات مرحلية؛ جعلته يبتعد من السنة ويقترب من البدع الفلسفية شيئا فشيئا:

وهو أمر ثابت ومؤثر في الحكم على العقائد الأشعرية؛ وقد وضحته في كتابي عن السلفية المطبوع سنة 2007، وأزيد هنا؛ قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

“أما أصحاب الأشعري فهم ثلاثة أصناف:

صنف يُحرم تأويل الصفات السمعية المذكورة في القرآن؛ كالوجه واليد والعين، ويُبطِل ذلك.

وهذا هو الذي ذكره الأشعري في “الإبانة”، حكاه عن أهل السنة جميعهم.

وهو الذي ذكره أبو بكر ابن الباقلاني أفضلُ أصحابه، وأبو علي ابن شاذان، وذكره أبو بكر ابن فورك في اليد وغيرها، وعليه الأشعرية المتمسكون بالقول الثاني.

وصنف يُحرِّم التأويل، ولا يتكلم في صحته ولا فسادِه؛ وهذا الذي ذكره أبو المعالي الجويني في رسالته “النظامية”، وهو قولُ أكثرِ المفوِّضة من المتكلمين.

وصنف يُبيحه للعلماء عند الحاجة، ومنهم من يُبيحه مطلقًا.

وهذا قولُ الجَويني في “إرشادِه” وغيره، وجميعُ هؤلاء مختلفون في صحة بعض التأويلات وفسادها.

وهذا كما أن العراقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري، والقاضي أبي بكر ابن الباقلاني، وأمثالهم، أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل خراسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب، ولهذا كان القاضي أبو بكر بن الطيب يكتب في أجوبته أحياناً: محمد بن الطيب الحنبلي، كما كان يقول الأشعري، إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلي أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة، كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي، وأمثالهم”. [جامع المسائل لابن تيمية (5/ 79)].

وهنا أسأل الأخ ذو الفقار:

إذا كانت الأشعرية شيئا واحدا لا يتجزأ، وأن التفريق بين مدارسها أمر باطل كما تقول؛

وإذا كان حكم هذا الشيء الواحد هو الضلال والانحراف عن السنة (السلفية) كما تزعم؛

فكيف نجمع بين ذلك وبين القول بإمامة هؤلاء العلماء -على سبيل المثال-:

البيهقي، أبو بكر بن العربي، القاضي عياض، النووي، الشاطبي، ابن حجر ..

فهؤلاء كلهم أشاعرة؛ وقعوا في تأويلات وبدع كلامية.

فمقتضى تصورك وحكمك على ابن الباقلاني والهروي وعموم الأشاعرة؛ يلزمك بأن تقول فيهم ما قاله السجزي والإسفراييني في ابن الباقلاني.

أو تميز بينهم وبين ابن الباقلاني والهروي في العقيدة؛ وتقول: ليس أولئك بأشاعرة؛ وهذه مكابرة وإنكار للواقع!

أو تعتدل؛ وتقول: هم على السنة، ووقعوا في بدع، بدل قولك: “خرجوا من السنة إلى بدعة الأشعرية”!

وهنا سينطبق عليك ما حكمت علي به من أنني أُهوّن من أمر الأشاعرة!!

أما أنا فتصوري وحكمي -الذي حكمتَ عليه بأنه تهوين- مطرد ومنسجم؛ وأقول فيهم جميعا:

هؤلاء علماء من أهل السنة بلغوا بعلمهم وعملهم درجة الإمامة في الدين.

وهم كغيرهم يصيبون ويخطئون.

ومن خطئهم التوسع في استعمال علم الكلام؛ مما جعلهم يقعون في القول ببدع باطلة، ويستحسنون التأويل في بعض الصفات، ويخطئون في مسائل عقدية؛ مثل: مسائل في القَدَر وفى الوعيد وفي النبوات ..

وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وكشف البدع التي وقعوا فيها، دون إخراجهم من السنة (السلفية اصطلاحا).

فهم إن شاء الله مجتهدون مأجورون أجرا واحدا؛ توخوا نصرة الدين والسنة، وإبطال شبهات أعداء الملة بالقواعد العقلية التي توهموا أنها في صالحهم ..

وهذا جهاد يجعل صاحبه أولى بالعذر وتطلب المخارج ..

فلله ذرهم وعلينا شكرهم؛ جزاهم الله عن أمتنا وديننا خير الجزاء.

2 الأمر الثاني الذي لم يستوعبه الأخ ذو الفقار؛ أن أخطاء علماء الأشاعرة لا تجيز تضليلهم وإخراجهم من السنة؛ إلا من تبنى أصلا باطلا؛ كرد السنة، وإنكار الصفات الإلهية، وتقديم العقل على النقل ..؛ غفر الله للجميع.

وهذا التعامل مع أخطاءهم؛ هو موقف أئمة الحديث؛ كما مر ويأتي بحول الله تعالى في هذه السلسلة.

وقد رأينا كيف تعامل الإمام الدارقطني مع الإمام ابن الباقلاني؛ وهو من أعلم الناس بأخطاءه الكلامية.

وقفة مع نقد السجزي والإسفراييني لابن الباقلاني:

لقد استشهد الأخ ذو الفقار في رد دلالة قصة الإمام الدارقطني؛ بقول السجزي والإسفراييني في ابن الباقلاني؛ رحم الله الجميع.

وجوابي أن موقفهما فيه شدة، وهو مردود بموقف من هو أعلم منهما وأكثر؛ كالدارقطني وابن أبي زيد القيرواني وأبي عمرو الداني وابن رشد الجد. (انظر مواقفهم في هذه السلسلة).

قال شيخ الإسلام بعد نقل نقد السجزي والإسفراييني لابن الباقلاني:

“وهذا الذي نقلوه من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر الباقلاني هو بسبب هذا الأصل، وجرى له بسبب ذلك أمور أخرى، وقام عليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو عبد الله بن حامد وغيرهما من العلماء من أهل العراق وخراسان والشام، وأهل الحجاز ومصر.

مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن كتباً وتصنيفاً، وبسببه انتشر هذا القول.

وكان منتسباً إلى الإمام أحمد وأهل السنة وأهل الحديث والسلف، مع انتسابه إلى مالك والشافعي وغيرهما من الأئمة حتى كان يكتب في بعض أجوبته: محمد بن الطيب الحنبلي.

وكان بينه وبين أبي الحسن التميمي وأهل بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف، كما تقدم ذكر ذلك، ولهذا غلب على التميميين موافقته في أصوله.

ولما صنف أبو بكر البيهقي كتابه في مناقب الإمام أحمد –وأبو بكر البيهقي موافق لابن الباقلاني في أصوله-؛ ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذي صفنه أبو الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي، وهو مشابه لأصول القاضي أبي بكر، وقد حكى عنه: أنه كان إذا درس مسألة الكلام على أصول ابن كلاب والأشعري يقول: (هذا الذي ذكره أبو الحسن أشرحه لكم وأنا لم تتبين لي هذه المسألة) فكان يحكى عنه الوقف فيها، إذ له في عدة من المسائل قولان وأكثر كما تنطق بذلك كتبه.

ومع هذا تكلم فيه أهل العلم، وفي طريقته التي أصلها هذه المسألة مما يطول وصفه، كما تكلم من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه، حتى ذكر أبو إسماعيل الأنصاري قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقاً يذكرون شدة أبي حامد الإسفرايني على ابن الباقلاني.

قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سالم ببغداد: إن كنت تريد أن ترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني، قال: وسمعت الحسين بن أبي أمامة المالكي يقول: سمعت أبي يقول: لعن الله! أبا ذر الهروي، فإنه أول من حمل الكلام إلا الحرم، وأول من بثه في المغاربة.

قلت (شيخ الإسلام): أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به.

وكان قد قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم، كأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين لما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي فأخذ طريقة أبو جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد.

ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.

لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء؛ احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين.

وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم، لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل.

وخيار الأمور أوساطها.

(قال القباج: وهو الاعتدال في نقد الرجال)

قال شيخ الإسلام: “وهذا لي مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}

ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}.

ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو وأعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب“. اهـ بحروفه من كتاب: درء تعارض العقل والنقل (2/ 99 – 104).

وهذا هو عين الاعتدال؛ لا تهوين ولاتهويل، ولا تمييع ولا تضليل.

وبعد هذا حق لي أن أسأل أخي ذو الفقار:

ما ذنبي إن أخذت بهذه المواقف المعتدلة؟

ولماذا تتهمني بالتهوين، وتعتبر هذا التهوين اعوجاجا ينبغي تقويمه؟!

مع أنني لا أعدو كوني باحثا توصل إلى نتيجة وافق فيها كل أولئك الأئمة؟!

فإما أن تسحب هذا الحكم عني؛ وإما أن تسحبه على الأئمة الذين سبقوني إلى القول بذلك.

 

 

تنبيه:

من العجائب؛ قول الأخ ذو الفقار عن قصة الدارقطني: “أقصى ما تصنف به هذه القصة؛ هي أنها حادثة عين، وحادثة عين عند الأصوليين لا يستنبط منها حكم، ولا تبنى عليها قاعدة”!

يا أخي؛ مسألة حادثة العين؛ إنما تقال في معرض الكلام عن النص والدليل، تخصيصا للعموم عند المضايق؛ فما علاقتها بقصة عالم؟