أنشطة وأخبار

من مسائل التعمير واستعمال المجال في العهدين المرابطي والموحدي

تاريخ النشر : 15/11/2016

عدد المشاهدات : 979


مؤسسة ابن تاشفين / دراسات مراكشية 6

 

من مسائل التعمير واستعمال المجال في العهدين المرابطي والموحدي

دراسة بقلم:

ذ. المجدوبي عبد العزيز / كلية الآداب _ مراكش

إعداد ونشر:

مؤسسة ابن تاشفين / اللجنة العلمية

telechargement

من بين القضايا التي تأخذ باهتمام الباحثين خاصة في الجغرافية التاريخية تأتي مسألة التعمير واستعمال المجال من طرف السكان والدولة.

وقد ارتأيت أن تنصب دراستي على هذا الموضوع فيما يخص مراكش خلال حكم الدولتين المرابطية والموحدية.

وسوف أتناوله من زاويتين:

1_ مرتكزات التعمير.

أ)الإشكالية العقارية

ب)السكان

ج)التوسع الحضري لمراكش وعلاقته بمواد البناء: مراحل التعمير.

2_ مجالات مراكش المختلفة ودلالتها.

وقبل أن أنتقل إلى الموضوع، أرى من الواجب أن أوضح الإطار الزمني الذي تقاربه الدراسة: يبتدئ من 462 هـ (1070م) سنة إنشاء المدينة وينتهي ب 668ه (1269م) سنة انتهاء حكم الموحدين.

وهكذا تمتد فترتنا على 200 سنة تقريبا، وهي فترة كافية لحدوث تغيرات مجالية أساسية داخل بنية عاصمة الدولتين مراكش.

1 _ مرتكزات التعمير بمراكش خلال حكم المرابطين والموحدين

1 _ 1: الإشكالية العقارية:

 تعتبر المشكلة العقارية من بين المشاكل التي تعترض الباحث اليوم في مجال التعمير والبناء. إذ يجب تحديد مالك أو مالكي الأرض ليتسنى فهم الانعكاسات والمنازعات التي تطرأ فيما بعد.

وعندما انكببت على دراسة هذه النقطة بالنسبة لمدينة مراكش، صادفت روايات مختلفة حول ملكية الأرض التي أقيمت فوقها المدينة فيما بعد.

1 _ 1 _ 1: فحسب ابن عذاري أسست المدينة فوق منطقة حدودية بين قبيلة هيلانة وقبيلة هزميرة، وهي منطقة بدون مالك، خارجة عن نفوذ القبيلتين.

وفي هذا يقول: ((… وفي هذه السنة ضاق المجمع بمدينة أغمات وريكة والخلق فيها، فشكا أشياع أوريكة وهيلانة بذلك إلى الأمير أبي بكر بن عمر، مرة بعد أخرى إلى أن قال لهم: عينوا لنا موضعا أبني فيه مدينة إن شاء الله… اجتمع أشياخ قبائل المصامدة وغيرهم فوقع تدبيرهم أن يكون موضع تلك المدينة بين بلاد هيلانة وهزيمرة))[1].

وانسجم صاحب الحلل[2] مع نفس الرواية.

1 _ 1_2: أما الإدريسي فينسب ملكية الأرض إلى بعض سكان أغمات ملكية خاصة؛ وفي هذا يقول:

((… وشمال هذه المدينة _ أغمات _ وعلى ميل منها مدينة بناها يوسف ابن تاشفين في صدر سنة 470 هـ بعد أن اشترى أرضها من أهل أغمات بجملة أموال.))[3].

ويذهب صاحب القرطاس إلى نفس الغاية عندما يؤكد: ((وفيها -سنة 454 هـ- اشترى ابن تاشفين موضع مدينة مراكش ممن يملكه من المصامدة))[4].

1 _ 1_3: وتختلف رواية المؤرخين المتأخرين بحيث رد صاحب المعجب[5]  ملكية الأرض إلى عبد أسود، فيما سجل الناصري[6] تواجد تجمع قروي بربري بنفس المنطقة قبل بناء مراكش. ولم يفت دوفردان[7] أن يتقدم بافتراض استنبطه من حالات مشابهة لنشأة المدن، ويقوم هذا الطرح على أن المنطقة كانت محايدة ينعقد فوقها سوق أسبوعي يجمع بين سكان الجبال والسهل في إطار نشاط تبادلي تكاملي بين اقتصاد البلدين.

وقد أيد بول باسكون[8] هذا الافتراض.

ويلتقي الباحثان مع التفسير الذي جاء به الأستاذ التوفيق؛ والذي يعتمد على أن مراكش تدل على المكان المقدس الذي وقع فيه اتفاق ذو صفة قدسية (الحرمة).

خلاصة: رغم أن الروايات متباينة، فإنه من المؤكد أن أراضي مراكش أصبحت ملكا للدولة الناشئة تتصرف فيها كيفما شاءت ووقتما شاءت من موقع السلطة.

توحد المالك وبالتالي توحد التصرف.

1 _2: السكان

1 _2_1: افتراضات المؤرخين

لم يكن عدد سكان مراكش في البداية يتجاوز بضعة آلاف.

ومع تحولها من معسكر للخيام إلى عاصمة للدولتين، توافد على مراكش عشرات الآلاف من السكان طمعا في العمل والتجارة والقرب من السلطان.

وفي هذا يقول صاحب ((الروض المعطار)): ((وعظمت مراكش في الدولتين، فكانت أكبر مدن المغرب الأقصى))[9].

ويصفها الحسن بن الوزان قائلا: (( مراكش مدينة كبيرة جدا، ومن بين المدن الرئيسية في العالم))[10].

وقد احتسب دوفردان مساحتها داخل الأسوار في عهد التوسع الكبير فتكلم عن 650 هكتارا منها 606 لمراكش المرابطية و 44 هكتارا لقصبة المنصور))[11].

وقد أدى هذا التحول إلى تزايد سكان العاصمة بحيث قال الحسن بن الوزان في وصف إفريقيا: (( وكانت تقطنها مائة أسرة وأكثر في حياة علي بن يوسف))[12].

أما طوريس[13] فقد ذهب إلى مائة وخمسين ألف نسمة في العهد الموحدي.

ويظهر أن التقديرين يقربان من الوقائع إذ أن الوثائق التاريخية تقدر سكان فاس ب80000[14] في نفس الحقبة.

وقد ترك بعض المؤرخين العنان لتقديراتهم فذهب المقري الذي وصف مراكش ببغداد المغرب إلى 500000 نسمة، وتكلم علي باي عن 700000 نسمة.

لكننا نرجح تقديرات الحسن بن الوزان وطريس لأن عدد سكان مراكش داخل الأسوار اليوم لا يتجاوز 260000 نسمة ومع ذلك تشكو من اكتظاظ مخيف

1_2_2: وقد تطور عدد سكان مراكش استجابة لتطور وظائفها، فإلى جانب كونها عاصمة الإمارة والخلافة، أصبحت مراكش قاعدة تجارية جلبت نحوها كل الاهتمامات وسرقت الأضواء من المراكز المجاورة كأغمات ونفيس بل قصدها أعيان المدينتين للتقرب من السلطان، واتجه نحوها الحرفيون والعلماء والأطباء والفقهاء.

وشعت حضارتها لتغمر إفريقيا السوداء جنوبا وأقطار إفريقيا الشمالية شرقا.

وللدلالة على توسعها المستمر نسوق الخبر التالي:

أمر أبو يعقوب يوسف الموحدي قبائل هزميرة وصنهاجة بالمجيء على مراكش قصد الاستقرار بها، لكنه لم يجد مكانا فارغا بالمدينة يضعه تحت تصرفها، فأمر ابنه أبا يوسف يعقوب بإيجاد حل لهذا المشكل وتوطين القبلتين، لذا اضطر هذا الأخير إلى هدم السور في الجهة الجنوبية الغربية للمدينة سنة 1183م وتحرير 10 هكتارات وتسليمها لأبناء القبيلتين[15].

(حي سيدي ميمون وما جاوره حاليا: نظر الخريطة).

وقد اتسعت المدينة على حساب البساتين والبحائر.

وفي هذا يقول صاحب الاستبصار: (( ومدينة مراكش اليوم أعظم مدن الدنيا بهجة وجمالا… وكانت بحائر عظيمة فيها قصورا وجامعا وأسواقا وفنادق))[16].

ورغم ذلك حافظت على التوازن البيئي بحيث جلبت إليها المياه بواسطة الخطارات وانتشرت داخلها وخارجها المجالات الخضراء والمغارس، مما دفع صاحب الروض المعطار إلى القول: (( وهي أكثر بلاد المغرب جنات وبساتين وأعنابا وفواكه. وأكثر شجرها الزيتون فيها منه ما تستغني به عن غيرها من البلاد.))[17].

unnamed-1

1_3: التوسع الحضري لمراكش وعلاقته بمواد البناء

1_3_1: في البداية أنشأ المرابطون معسكرا ترامت خيامه وأحيطت بالزرب الشوكي بحيث قال صاحب البيان: ((فسكن _ أي ابن تاشفين _ الموضع بخيام من الشعر، وبنى فيه مسجدا للصلاة))[18].

وقد استقر المرابطون في مكان مراكش المنبسط الذي يضمن لهم وبهائهم حرية التنقل. يقول صاحب الحلل: (( فانتقلوا إلى تلك الرحبة فوجدوا في فحصها من المرج الخصيب للجمال والدواب ما غبطهم بها، ويمثل السدر والحنضل أهم نبات المنطقة))[19].

1_3_2: ولم يبن المرابطون مخيما مؤقتا بل قرروا البقاء في المنطقة وتحويله إلى المدينة.

ويتضح ذلك من عزم أبي بكر بن عمر على إقامة قلعة صلبة هي قصر الحجر.

يورد صاحب البيان: (( وفي سنة 462 هـ 23 رجب ابتدئ أساس مراكش وذلك قصر الحجر. وشرع الناس في بناء الدور دون سور، وفي ذلك اليوم بعينه كان ركوب الأمير أبي بكر وإخوته وجميع محلته من أشياخ المصامدة والفعلة من البنائين وغيرهم. فابتدأ العمل في الأساس بمشاركة الأشياخ فأعانوا على البناء بالمال والرجال. فقام سور قصر الحجر في نحو ثلاثة شهور))[20].

ثم اتسعت المدينة وظهرت الضرورة لتسويرها في عهد علي بن يوسف.

أصبحت مراكش عاصمة الإمبراطورية المرابطية ثم الموحدية فكثرت بناياتها وتعددت مرافقها الاقتصادية والاجتماعية، وتجملت بالمآثر الفنية والروائع المعمارية التي شدت أنفاس المعاصرين فخلدوها في كتاباتهم التاريخية والأدبية. ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • صومعة الكتبية.
  • البيمارستان (دار الفرج)
  • مدينة تمراكشت الموحدية جنوب مراكش بقساريتها الرائعة.
  • جامع المنصور بقصبة مراكش ومقصورته
  • إضافة على البساتين والمساجد

ويلخص صاحب الروض المعطار ذلك بقوله: (( وعظمت مراكش في الدولتين، فكانت أكبر مدن المغرب الأقصى. وعظمت تجارتها وتنافس الناس في البناء فيها وبنيت فيها الفنادق والحمامات وفيها قيسارية عظيمة))[21].

في مراكش المرابطية انشطرت الحياة اليومية إلى شطرين:

_ شطر شعبي يتحلق حول مسجد ابن يوسف، ويتمثل في المسجد الجامع نفسه وفي الأسواق، ثم بعض الأحياء التي ورد ذكرها في بعض المصادر كحارة السورة ودشر تودغة، وأسوال (انظر الخريطة).

لكن مع الموحدين، كبرت المدينة وظهرت أحياء جديدة بمختلف جهاتها كالسبتين شرقا والقصور غربا (انظر الخريطة)

(( وهكذا اتصلت عمارات مراكش وحسن قطرها)) (الروض المعطار) وانتقل مركز الخلافة إلى الجنوب حيث بنيت تمراكشت وأصبحت تنافس المدينة الأم في الصدارة. واستقلت هي الأخرى بكل مراجعها.

1_3_3: موارد البناء التي استعملت في مراكش

1_3_3_1: تملك مراكش أرضية طينية جيدة تصلح قاعدة لإنتاج مواد البناء، كما تتوفر على محاجر الجير على مسافة قريبة، إلى جانب الغابات الجبلية على بضع عشرات الكلمترات إلى الجنوب.

وتوجد بشمال المدينة كديتان حجريتان جبل (ايجليز) جليز وجبل العبيد، تستخرج منها الحجارة للبناء وهكذا تنوعت مواد البناء واستعملت كلها في إعطاء مراكش رونقها وشكلها المعماري المتميز.

1_3_3_2: واستغل قاطنو مراكش ما توفره طبيعة المنطقة في إقامة بنايات المدينة واعتمدوا على الطين والحجارة ونسوق فيما يلي مجموعة من النصوص لتأكيد ذلك.

قال ابن عذاري: ((فذكروا أن أول دار بنيت بمراكش من ديار لمتونة دار تورزكين بن الحسن الكائنة بموضع أسدال بناها بالطوب وجددها وهي الآن ظاهرة على المقر الموضوع المذكور إلى وقتنا هذا))[22].

وقال الإدريسي: ((وليس في موضع مدينة مراكش الحجر البتة إلا ما كان من هذا الجبل (ايجليز) وإن بناها بالطين والطوب والطوابي المقامة من التراب. وهي في وطاء من الأرض ليس حولها شيء من الجبال إلا جبل صغير سمي ايجليز، ومنه قطع الحجر الذي بني منه قصر أمير المؤمنين وهو المعروف  بدار الحجر))[23].

وقال ابن أبي زرع: ((… فسكن الموضع بخيام من الشعر، وبنى فيه مسجدا للصلاة وقصبة صغيرة لاختزان أمواله وسلاحه ولم يبن على ذلك سورا. وكان رحمه الله، أي يوسف بن تاشفين، لما شرع في بناء المسجد يحتزم ويعمل في الطين والبناء مع الخدم تواضعا منه وتورعا))[24].

وقال الحسن بن الوزان: ((كان لها أي مراكش _ أربعة وعشرون بابا وجدار سور غاية في الجمال والصناعة مبني من اللبن الكلسي ومن رمل غليظ مخلوط بالجبص))[25].

ويلخص لنا ابن خلدون المواد التي استعملت في البناء وكذلك تقنية البناء في النص التالي:

((… منها البناء بالحجارة المنجدة، يقام بها الجدران، ملصقا بعضها إلى بعض بالطين والكلس الذي يعقد معها ويلتحم كأنه جسم واحد. ومنها البناء بالتراب خاصة يتخذ لها لوحان من الخشب مقدران طولا وعرضا فينصبان على أساس وقد بوعد بينهما بما يراه صاحب البناء في عرض الأساس، ويوصل بينها بلوحين آخرين صغيرين ثم يوضع فيه التراب ثانيا وثالثا حتى يمتلئ ذلك الخلاء بين اللوحين وقد تداخلت أجزاء الكلس والتراب وصارت جسما واحدا ثم يعاد نصب اللوحين))[26].

بينما يصف لنا جان موكي في رحلة على المغرب voyage au Maroc مراكش قائلا: (( جل المنازل العادية بها منحدرة، صغيرة ومبنية بطريقة بسيطة بالطين والجير لكن منازل القواد والسادة واسعة ومبنية بالحجارة ومسورة)).

خلاصة:

نستخلص من مختلف النصوص الواردة أعلاه أن مواد البناء متنوعة لكن غلب عليها الطين والطوب نظرا لوفرتها بالمنطقة ولملاءمتها لمناخ الجهة التي توجد بها مراكش.

ولم يستعمل الطين وحده بل أضيفت إليه مادتا الرمل والجير ليصبح أكثر صلابة ومقاومة. والطين هو المادة الأولية المستعملة.

أما منازل السادة، فقد استعملت فيها الحجارة المنجدة والتي حملت جبل ايجليز شمال المدينة.

ويلاحظ المؤرخون المحدثون أن المرابطين والموحدين اعتمدوا في بناء مراكش على تقنيات نقلوها من الجنوب الصحراوي  الإفريقي ومن الشمال الأندلسي فاعتمدوا التبليط والزخارف الكتابية والنباتية والنحت المخرم والفستقيات.

unnamed

1_4: مراحل التعمير:

يتضح من خلال الخريطة التي بين أيديكم أن تعمير مدينة مراكش خلال العهدين المرابطي والموحدي مر ب4 مراحل:

1_4_1: تمثلت المرحلة الأولى في إقامة معسكر الخيام المرابطي وبناء قصر الحجر حيث استقرت دار الخلافة: وتزامنت هذه المرحلة مع أبي بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين الذي اتجهت همته إلى فاس أكثر من مراكش.

1_4_2: أما المرحلة الثانية فتوافق عهد علي بن يوسف الذي أعطى للمدينة شخصيتها الأولى بتجديد مجالها سور بناه بعد استشارة العلماء، ثم تشييد المسجد الجامع بعيدا عن دار الخلافة والذي تركزت حوله الأسواق التجارية.

وخلال هذه المرحلة ظهرت مجموعة من الأحياء ايسيل وكذلك صناعة الفخار والمعاصر.

1_4_3: المرحلة الثالثة وهي التي بدأت مراكش تزدهر خلالها مع عبد المؤمن الموحدي وابنه أبي يعقوب يوسف.

ونسوق النص التالي للإدريسي لأن فيه البيان الشافي:

((مدينة مراكش في هذا الوقت من أكبر مدن المغرب الأقصى لأنها دار إمارة لمتونة ومدار ملكهم، وكان بها إعداد قصور لكثير من الأمراء والقواد وخدام الدولة. وأزقتها واسعة ورحابها فسيحة ومبانيها سامية إذ كبرت المدينة وأصبحت في مصاف المدن الكبرى، واكتسبت شخصيتها وازداد عدد سكانها وامتلأت الفراغات المتواجدة بين أحياءها السكينة حتى ضاقت بأهلها وأصبحت تشكو الاكتظاظ))[27].

1_4_4: ويمثل بناء تمراكش (قصبة الموحدين) جنوب مراكش على يد أبي يوسف يعقوب الموحدي (يعقوب المنصور) المرحلة الرابعة بحيث أنشأ له مدينة متاخمة لمراكش المرابطين ومدها بكل ما تحتاجه من مرافق سكينة وإدارية واقتصادية واجتماعية. وتمراكشت مدينة بأسوارها وأبوابها ومسجدها تتكون من ثلاث وحدات.

  • دار الخلافة وملحقاتها وبها 12 قصرا
  • المشور أو الاسراك.
  • المسجد وملحقاته وما يحيط به من منشآت اقتصادية.

وتتصل هذه الأقسام الثلاثة بواسطة مجموعة من الأبواب.

2_ مجالات مراكش المختلفة ودلالتها:

أوضحها باختصار:

 2_1: المجال السياسي:

لاشك أن دار الخلافة هي رمز السلطان والسيادة وبالتالي شكلها ورونقها يعكس مكانة السلطة السياسية.

منذ الانطلاق فكر المرابطون في بناء دار الإمارة فكانت قصر الحجر، والذي اختلف عن بنايات مراكش الأولى بحيث استعملت في بنائه الحجارة بدل الطين وأحيط بسور حتى أصبح ممتنعا، في حين أبعدت الأحياء السكنية والمرافق الاقتصادية إلى الشرق منه.

استعمل الموحدون في البداية نفس القصر لكنه لم يعد ينسجم مع قوتهم وانتشار إمبراطوريتهم على الكثير من البلاد، وتكاثر حاشيتهم.

أقاموا مدينة أخرى جنوب مراكش هي مدينة الإمارة حملت اسم تمراكشت وزينوها بمختلف البناءات والقصور.

وقد ترك المؤرخ العمري وصفا جيدا لهذه المدينة في مسالك الأبصار يقول العمري: (( وبها قصر الخلافة بناه المنصور يعقوب بن سعيد بن يوسف بن عبد المؤمن، اختطها خارج مراكش خاصة به وخواصه، وتعرف بتمراكشت.

قال ابن سعيد ولا أدري كيف أصل إلى غاية في الوصف، أصف به ترتيب هذه المدينة المحدثة، فإنها من عجائب همات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية، وبها قصر الخلافة وبه ديار عظيمة، منها دار البلور ودار الماء. وكل دار منها لا تخلو من المياه والبساتين العجيبة والمناظر المرتفعة المشرفة على بسائط مراكش[28] والقصبة المنصورية مدينة مستقلة بكل مرافقها الاقتصادية والإدارية منها تنطلق الأوامر وإليها تعود الجبايات. قصبة ممتنعة كذلك بأبواب ضخمة وأسوار عالية وساحات كبرى، قصبة تمثل عظمة السلطة السياسية. ومن الملاحظ أنها كالقصبة المرابطية بنيت بعيدا عن مساكن الشعب، وأحيطت بالأسوار، وأصبحت في عالم الغيب بالنسبة للإنسان العادي البسيط. وقد استمرت قصبة المنصور تلعب دور قطب المجال السياسي حتى بعد انهيار الموحدين.

وقد اجتذبت المدينة الجديدة إليها الاهتمام واستأثرت بالنفوذ لأنها مقر الحكم والسلطان، وبالتالي أصبحت مراكش الأولى ثانوية تقريبا. وأهم ما يميز المجال السياسي هو انعزال دار الخلافة بعيدا عن الأوساط السكنية العادية واحتمائها داخل أسوار من تراب أو من حجر وهو المجال الذي تمارس فيه الأمور السياسية وتتخذ القرارات المهمة وتدبر وتحاك المؤامرات.

2_2: المجال الديني:

يتمثل المجال الديني في المساجد.

وعندما نطل على المساجد خلال هذه الفترة نخرج بالخلاصات التالية:

2_2_1: المسجد الجامع الرئيسي بمراكش:

عرف هذا المسجد عدم الاستقرار؛ ففي العهد المرابطي لعب مسجد بن يوسف دور الريادة لأنه كان الوحيد، فيه يجتمع الناس لصلاة الجمعة ثم لتأكيد ولائهم للدولة الحاكمة، ولما استولى الموحدون على الحكم أقاموا مسجدا جامعا آخر هو الكتبية وفي هذا يقول الإدريسي: ((وكان بها جامع بناه أميرها يوسف بن تاشفين فلما كان في هذا الوقت وتغلب عليها المصامدة وصار الملك لهم تركوا ذلك الجامع عطلا مغلق الأبواب ولا يرون الصلاة فيه، وبنوا لأنفسهم مسجدا جامعا يصلون فيه))[29] ويرجع بناء الكتبية لعبد المؤمن وابنه أبي يعقوب.

وعندما كبرت المدينة واكتظت بالسكان انتقل مركز الخلافة إلى جنوب المدينة حيث شيدت تمراكشت؛ ضمت القصبة من بين مبانيها مسجدا جامعا ثالثا سرق الأضواء من الكتبية وأصبح يلعب الدور الأول على المستوى الديني لأن الخليفة يصلي فيه الجمعة.

لكن سرعان ما استرجع جامع ابن يوسف مكانته بعد انهيار الدولة الموحدية.

2_2_2: مساجد الجانب الشرقي:

لم تذكر الوثائق التاريخية أسماء هذه المساجد ولكن احتفظت لنا بأهميتها الدينية خاصة في العهد الموحدي عندما ازدهرت الصوفية بمراكش مع الولي الصالح أبي العباس السبتي وآخرين وحملت هذه الجماعة اسم أهل الصفة.

2_2_3: المساجد العادية:

وهي المساجد التي توجد بالأحياء وتقام فيها الشعائر الدينية اليومية.

خلاصة:

المجال الديني مهم نظرا لتنوع عناصره من جهة وللدور الكبير الذي تلعبه المساجد في حياة الناس.

فالمسجد مكان لأداء الشعائر الدينية وملتقى للمناظرات الدينية والسياسية ومكان لتواجد المعارضة السياسية للحكم ومنطلق الثورات.

2_3: المجال الاقتصادي:

2_3_1: مركز صناعي:

عرفت مراكش خلال العهدين المرابطي والموحدي نشأة مجموعة من الصناعات والحرف؛ فقد تجمعت الصناعات التي تحتاج إلى الماء والمكان الواسع في الناحية الشرقية.

ونذكر منها: الدباغة، الفخارة، إلى جانب عدد من المعاصر (انظر الخريطة).

ولم يتغير مكان هذه الصناعة لحد الآن بسبب الروائح الكريهة إذ يستحسن أن يكون موقعها تحت الهواء والذي يهب من الغرب في اتجاه الشرق في غالب أيام السنة، كما ذكرت بعض المصادر أن مراكش توفرت بالمدينة ولا شك صناعات أخرى لازمة لحياتها وملازمة لمركز الخلافة كالتجارة والحدادة والحياكة والبناء…

2_3_2: المجال التبادلي:

2_3_2_1: الفنادق:

أشارت المصادر إلى تواجد ثلاثة فنادق بمدينة مراكش هي فندق الأرنجة قرب مسجد ابن يوسف، فندق السكر قرب باب نفيس (انظر الخريطة).

وفندق المقبل الذي هبط فيه أبو العباس السبتي لما قدم إلى مراكش[30].

وكانت الفنادق بمثابة أماكن يستقر بها التجار الزائرون لمراكش خلال المدة التي تقضيها تجارتهم، وفي نفس الوقت تعتبر مكانا لإبرام الصفقات وترويج البضائع، والفندق كذلك مخزن لوضع السلع قبل ترويجها ومربط لبهائم النقل ووسائله وبيوت لإسكان التجار الوافدين ومن الممكن أن تضم مراكش بين أسوارها فنادق أخرى أغفلتها المصادر الشحيحة التي نتوفر عليها.

2_3_2_2: الأسواق

يقول الإدريسي: ((ومدينة مراكش في هذا الوقت من أكبر مدن المغرب الأقصى… وأزقتها واسعة ورحابها فسيحة ومبانيها سامية وأسواقها مختلفة، وسلعها نافقة)).

ويزيد قائلا: ((… وكانت أكثر الصنع في مراكش متقبلة عليها مثل سوق الدخان والصابون والصفر والمغازل))[31].

إذن تمثل الأسواق الفضاء التبادلي لمراكش حيث يلتقي البائع والمشتري. وكان من العادة أن تكون الأسواق التجارية الرئيسية مجاورة للمسجد الجامع. وهكذا انتقل المركز التجاري للمدينة مع انتقال المسجد الجامع من وسط المدينة (مسجد ابن يوسف) إلى غربها (مسجد الكتبية) إلى جنوبها (مسجد قصبة المنصور) ليرجع من جديد إلى وسط المدينة حول مسجد ابن يوسف وكلما انتقل الرواج من جوار مسجد إلى مسجد آخر أصاب المركز التجاري الأول كساد كبير في حين تمتع المركز الجديد بالرواج.

وقد ذكرت لنا المصادر أسماء بعض الأسواق مثل السراجين والبرادعيين والقشاشين، والقراقين، والقيسارية حيث تباع الأثواب.

وهذه هي الأسواق المهاجرة في حين ذكرت أسواق أخرى لها شخصيتها وتخصصها كسوق الحنطة وسط المدينة وسوق البهائم خارج المدينة في الجنوب الغربي.

بينما يمثل سوق الكتبيين الميزة الثقافية والتعليمية للمدينة.

2_3_2_3: توفرت الأحياء على فضاء تبادلي بسيط تصلح لتغطية الحاجيات اليومية ويتمثل في الدكاكين:

2-4: المجال التعليمي:

عرفت مراكش ازدهار العلوم والفلسفة وكانت مساجدها مكانا للمساجلات الفقهية والمناظرات. كما استقطبت العلماء والأطباء والمهندسين والفلاسفة.

ازدهر بها العلم الشرعي والوضعي ولعبت مساجدها دور المدارس الحالية والجامعات.

وكانت القصبة السلطانية مكانا ازدهرت فيه المدارس ونذكر منها مدرسة القصبة، القبة المنصورية، مدرسة الأمراء، نادي طلبة الحضر.

وإلى جانب المدارس كثرت  الخزانات الخاصة والتابعة للدولة كما ازدهرت حرفة الكتبيين وأنشئ لها حي خاص تم ترصيفه لأهميته.

وتطورت العلوم الرسمية وبجوارها العلوم الصوفية.

واستقطبت كل واحدة مدرسين وطلابا.

2_5: المجال الاجتماعي:

وفرت مراكش لسكانها بمساعدة الدول الحاكمة الخدمات الاجتماعية المختلفة؛ فنقلت المياه من خارج المدينة وشيدت الصهاريج وغرست الحدائق (أكدال)، وبني بيمرستان (دار الفرج)؛ وهو مستشفى يقول عنه المراكشي في المعجب:

((وبنى يعقوب المنصور بمدينة مراكش بيمارستان ما أظن في الدنيا مثله؛ وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلاد وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه…

وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياها كثيرة تدور على جميع البيوت…

ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم…

وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال.

وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم.

ولم يقصر على الفقراء دون الأغنياء؛ بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت))[32].

11032006_1485729685050347_9205475786253810227_n

[1]  ابن عذاري: (( كتاب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب)). طبعة تطوان 1963.

[2]  ((الحلل الموشية في ذكر أخبار الحضرة المراكشية)) لمؤرخ مجهول، طبعة الرباط 1936.

[3]  الإدريسي: ((نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)) ترجمة دوزي ( الجزء الخاص بوصف أفريقيا والأندلس).

[4]  ابن أبي زرع: ((كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ فاس)). طبعة الرباط 1936.

[5]  عبد الواحد المراكشي: ((المعجب في تلخيص أخبار المغرب)). طبعة القاهرة1949.

[6]  الناصري أحمد بن خالد السلاوي: (( كتاب الاستقصا في أخبار دول المغرب الأقصى)). طبعة الدار البيضاء 1955.

[7]  G. Deverdun : (( Marrakech des origines à 1912)) . Rabat 1966.

[8]  P. Pascon : (( Les Hauz de Marrakech)). Rabat 1977.

[9]  ابن عبد المومن الحميري: ((كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار)). ترجمة ليفي بروفنصال ليدن 1938.

[10]  (( Description de l’Afrique)) (الحسن الوزان) J. l’Africain

Traduction E. Epaulard . Paris 1956.

[11]  G. Deverdun . op. Cité

[12]  الحسن الوزان: المصدر السابق.

[13]  Torres : (( Histoire des cherifs et des royaumes du Maroc , de Fes , de Taroudant et G. Deverdun ورد ذكره عند autres Provinces))

[14]   Le Tourneau : (( Fes avant le protectora)) Cada 1949

[15]  G. Deverdun : op. cit

[16]  (( الاستبصار في عجائب الأمصار)) ترجمة فانيان. قسنطينة 1899.

[17]  ابن عبد المومن الحميري: المصدر السابق.

[18]  ابن عذاري: المصدر السابق.

[19]  (( الحلل الموشية)): المصدر السابق.

[20]  ابن عذاري: المصدر السابق.

[21]  ابن عبد المومن الحميري: المصدر السابقز

[22]  ابن عذاري: المصدر السابق.

[23]  الإدريسي: المصدر السابق.

[24]  ابن أبي زرع: المصدر السابق.

[25]  الحسن بن الوزان: المصدر السابق.

[26]  عبد الرحمن بن خلدون: ((المقدمة)) القاهرة 1936.

[27]  الإدريسي: المصدر السابق.

[28]  فضل الله العمري: (( مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)). ورد ذكره عند دوفردان.

[29]  الإدريسي: المصدر السابق

[30]  عباس ابن إبراهيم المراكشي: الإعلام لمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام)). فاس 1936.

[31]  الإدريسي: المصدر السابق.

[32]  عبد الواحد المراكشي: المصدر السابق.

قدمت هذه الدراسة ورقة في أشغال الملتقى الأول ل: {مركز الدراسات والأبحاث حول مراكش} 
المنعقد سنة 1988 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش
تحت عنوان: {مراكش من التأسيس إلى آخر العصر الموحدي}
تنظيم:
لجنة مشكلة من: د حسن جلاب رئيس المركز / د عبد السلام الخرشي / د عبد الصمد بلكبير / د أحمد عمّالك ..
unnamed-3

وسوم :

مواد ذات صلة

المعارضة السياسة للعلماء في التاريخ المغربي

تاريخ النشر : 11/09/2017

عدد المشاهدات : 313

ليالي العامرية .. (1)

تاريخ النشر : 15/04/2017

عدد المشاهدات : 4194

إحياء مدرسة ابن يوسف بمراكش

تاريخ النشر : 25/01/2017

عدد المشاهدات : 139

من صمود بلعربي العلوي إلى صمود عبد الإله بن كيران

تاريخ النشر : 12/01/2017

عدد المشاهدات : 537

'