أنشطة وأخبار

معالم المدينة الإسلامية: نموذج مراكش

تاريخ النشر : 10/11/2016

عدد المشاهدات : 970


مؤسسة ابن تاشفين / دراسات مراكشية 4

معالم المدينة الإسلامية: نموذج مراكش

دراسة بقلم:

ذ. عبد الغني أبو العزم / كلية الآداب الدار البيضاء

 إعداد ونشر:

مؤسسة ابن تاشفين / اللجنة العلمية

 

telechargement

إذا كنا أوضحنا نظريا أن تأسيس مدينة مراكش خضع لعوامل سياسية داخلية حددها النمو  الداخلي للسلطة المرابطية وصيرورة تطورها، فإننا يمكن أن نلاحظ أن ذلك النمو جاء ضمن نسق تطورها على الصعيد الخارجي، وأن الجانب التطبيقي لمفهوم المدينة ومؤسساتها جاء بدوره يؤكد الخلاصات الأولية التي قدمناها لهذه الدراسة، بل هي تدعيم لها، وتضيف مادة غنية لنظرية المدينة الإسلامية ومعالمها الأساسية التي تتجلى مظاهرها في:

1 تأسيس المسجد

2 تأسيس بيت الإمارة أو ما يسمى بقصر الحجارة

3 تكوين الجيش وتنظيمه

4 إنشاء مجلس الشورى

5 وضع نظام ضرائبي

6 إنشاء دار للسكة

7 تكون التجمعات السكنية

8 تخطيط الهندسة المائية

9 وضع الأسس الصناعية الأولى

10 علاقة المدينة بمحيطها الخارجي (الضواحي والنواحي)

كيف تم تبلور هذه المعالم؟

هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه كمقدمات أولية وهي تحتاج إلى المزيد من البحث والاستقصاء.

unnamed

1ـ تأسيس المسجد:

إذا كان المسجد يعتبر المعلمة الأولى في العمارة الإسلامية، فإنه يشكل كذلك البنية الأساسية لتكون المدينة الإسلامية، ولا غرابة أن يكون البناء الأساسي الأول للمدينة قد انطلق من المسجد لأن تكون فكرة الدولة المرابطية بزغت على أسس دينية رباطية إسلامية، ولا تزال آثاره باقية قرب دار الإمارة أو ما يسمى بقصر الحجارة.

وهكذا التشكيل المعماري الذي يضم المؤسسات العمومية ومؤسسات الدولة هو في الواقع تقليد قديم مشترك تشترك فيه كل المدن القديمة:

2ـ بيت الإمارة أو قصر الحجارة:

كانت المعلمة الثانية التي حركت قلب المدينة، وحددت مسارها في بداياتها الأولى هي تشييد دار الإمارة أو ما يسمى بقصر الحجارة، وليس صدفة أن يركز كل المؤرخين على هذه المعلمة، وفي مقدمتهم صاحب الحلل الموشية الذي قال عنها: “واشتغل ببناء الحصن المسمى بحصن قصر الحجر برحبة مراكش وجعله تحت أسوار وأبواب، وحصنه”[1].

إن الأمر يتعلق بخطة استقرار واضحة بوضع اللبنة لدعامة المدينة، أي تأسيس مركز القرار والسلطة ليكتسي من الهيبة ما يفرضه الظرف، وحسب ما يبدو ويسمح به التأويل أن الباعث على هذه التسمية مرده عامل الدهشة والإثارة والإعجاب لأن استعمال الحجر في عملية البناء كتقليد لم يكن سائدا، وهذا ما يجعلنا نعتقد أن تحولا هاما في مجال المعمار قد تم، وليكن انطلاقا من بيت الإمارة[2].

images

3ـ تكوين الجيش وتنظيمه:

يشكل الجيش أداة عملية ليس في بناء أسس الدولة فقط، بل وفيما يتعلق بتشييد مباني المدينة ومؤسساتها الدفاعية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى ما يكتسبه هذا التكوين في المرحلة التي يشرع فيها بتأسيس المركز الذي سيصبح المنطلق لضبط المحيط القريب والبعيد والتحكم في تطور الصراع داخليا وخارجيا، ولن يعرف النمو السياسي والاقتصادي سيره العادي، (على مستوى المدينة والدولة) إلا من خلال المظهر الأمني الذي تمثله قوة الجيش والأشكال التي سيتطور بداخلها.

صحيح أن المرابطين حملوا معهم الفيالق الأولى التي استوطنت أغمات حيث توالت الوفود والجيوش من الصحراء[3].

وكون يوسف بن تاشفين من “المثلث الذي تركه له ابن عمه الأمير أبو بكر”[4] النواة الأولى لجيش المدينة أولا، وطعم هذه النواة بعناصر جديدة[5].

وأعتقد أن التحول قد بدأ تحديدا من هذه المعاينة وما عرفته المدينة في مرحلة تأسيسها، ولم يقف يوسف عند مجرد الاستقطاب، بل أخضعه إلى ترتيبه استراتيجية لها حس بخبايا صراع العصبيات في محاولة واعية لضبطه والتحكم فيه، وفي أقل من عشر سنوات على وضع الحجر الأساسي للمدينة، حيث تم تجديد الجيش وشق الطرق وإنشاء الأحياء السكنية[6] واشترى جملة من عبيد السودان وبعث إلى الأندلس، فاشترى منها جملة من العلوج[7] ولا غرابة أن يعمد إلى تقسيم الجيش إلى طائفتين:

1 طائفة الحشم.

2 طائفة الداخليين.

وهكذا ضمت طائفة الحشم عناصر من جزولة ومصمودة وقبائل زناتة وواضح أن التوازن القبلي قد تمت مراعاته إلى حد كبير، وأصبح يشكل القوة الضاربة، والمواجهة الأمامية لكل المعارك الخارجية المقبلة.

أما الطائفة المسماة بالداخليين في البناء الداخلي وهي حسب السلم العسكري فإن مهامها محددة في حراسة الإمارة.

ويلاحظ أن اختيارها قد تم حسب القرابة وهي المسؤولة عن حماية قاعدة الدولة، ولا غرابة كذلك أن تضم هذه الطائفة جماعة من العلوج الذين لا دخل لهم في الصراعات القبلية من جهة ومن جهة أخرى فإن جزءا منهم من الأهل وحاشية الملك[8].

وهذا البناء الداخلي لقوة الجيش وانطلاقا من المستقر في المدينة هو الذي سيؤهل يوسف بن تاشفين للخروج إلى الجهاد ليتمكن من توسيع رقعة السلطة إلى حدود إبيريا ……

وهكذا يمكن القول أن تنظيم البناء الداخلي للمدينة انعكس على استراتيجية الدولة وجاء ملائما لطموحاتها.

4ـ إنشاء مجلس الشورى:

بديهي ككل المجتمعات القديمة أن يكون للمدينة مجلس من الحكماء أو الفقهاء والأعيان والمشايخ، وبالأخص إذا كان الأمر يتعلق بمركز السلطة وبمستقرها الجديد، مع العلم أن وجود مجلس للشورى يدخل في نسق التكوين التربوي والديني لرموز السلطة المرابطية، ولم يخرج يوسف بن تاشفين عن هذا الإرث المرابطي، وهو الذي نشأ في ظل ازدواجية السلطة الدينية والسياسية في عهد أبي بكر وعبد الله بن ياسين مما جعله كما يقول صاحب الحلل الموشية: “يفضل الفقهاء ويعظم العلماء ويصرف الأمور إليهم ويأخذ برأيهم ويقضي على نفسه بفتواهم”[9].

ويمكننا أن نضيف هنا أن نشأة مدينة ما من الصعب أن تستقر وتشكل مركز استقطاب إذا هي لم تكن خاضعة في قراراتها لمجلس ما …

وإن كان هذا المجلس سيعرف تحولات اجتماعية هامة وذلك باستحواذه على السلطة الاقتصادية ليمثل فئة / نخبة وعلى أساسها سيتميز وضعه الطبقي فيما بعد وهذا شيء طبيعي أي من طبيعة نشأة المدينة وتطور حياتها المدينة، وبالأخص عندما يتحول ذلك المجلس إلى مجلس قضائي يبث في قضايا الناس.

5ـ النظام الضرائبي وجباية الضرائب:

يدخل نظام جباية الضرائب في أسس تكون الدولة، وعندما تنشأ مدينة ما فإنه أول شيء يتم تكوينه وحبك قوانينه هو النظام الضرائبي على الصعيد الداخلي من جهة، وفي إطار العلاقة ما بين المركز وضواحيه وأقاليمه من جهة أخرى، وبالتحديد في مجال تبادل السلع.

وفي هذا الصدد سارعت السلطة المرابطية إلى فرض ضرائب على كل السلع الواردة، والسلع التي تم صنعها بقباب المدينة وكانت القبالة على كل شيء يباع أو جله[10].

وفرضت كذلك ضرائب ثقيلة على اليهود سنة 464هـ.

وذلك في مرحلة كانت الدولة منهمكة في تكوين وتنظيم جيشها القوي.

وهكذا يمكن أن نلاحظ أن مراقبة السلع وفرض ضرائب عليها، سواء تعلق الأمر بسلع مستوردة أو سلع يتم صنعها وإنتاجها بداخل المدينة لا تدخل فقط ضمن نقطة اقتصادية سياسية للسلطة، بل تسعى إلى ترتيب بيت المدينة وتحديد علاقاتها ما بين صناعها وتجارها من جهة وبين هؤلاء ومركز السلطة من جهة أخرى، هذا بالإضافة إلى ضبط علاقة خضوع وتبعية الأقاليم والضواحي للمدينة، أي السلطة.

ويجب أن أشير إلى أن المرابطين سبق لهم أن تمرسوا بهذا النوع من المراقبة، فهم قبل أن يستقروا بأغمات وقبل أن يؤسسوا مدينة مراكش، كانت لهم دراية بمراقبة الطرق التجارية عن طريق البر مرورا بأواد بيو ووصولا إلى نول لمطا وأغمات (نول لمطا نواحي كلمين).

كما نجدهم قد راقبوا مراكز أخرى، مثل غينيا، وأهم المراكز بإفريقيا الشمالية، وباستيلائهم على سجلماسة التي كانت تمد فاس وتلمسان وقرطبة بالذهب تمكنوا من احتكار كل منتوجات مناطق نهر السينغال..

telechargement

6ـ دار السكة:

على الرغم من أننا لا نملك وثائق واضحة في هذا المجال فلقد قمنا بمجموعة من الاستنتاجات قادتنا إلى تصور وجود دار للسكة بمراكش في بداية تأسيسها.

إن المرابطين عندما تمكنوا من مراقبة الطرق التجارية شرعوا في ضرب الدينار المرابطي الذي كان يحمل اسم أمير المؤمنين عبد الله ابن ياسين والأمير أبو بكر سنة 454هـ.[11]

وهذا ما يجعلنا نعتقد أن هذه الممارسة في ضرب النقود لم تكن غريبة عن يوسف بن تاشفين، وهو مؤسس مدينة مراكش وموسع أرجائها.

وإذا كنا نعرف أن أول ضرب للدينار بالمدينة قد تم سنة 499، أي بداية ظهور اسم مراكش على العملة، فإننا نستبعد هذا التأخر، لاعتقادنا بأن يوسف بن تاشفين كان يريد أن يحافظ على تراث المرابطين وذلك بإعادة ضرب العملة كما كان عليه الأمر في حياة مؤسسي الدولة.

وبذلك من الصعب أن نتصور مدينة أصبحت مركز للسلطة بدون دار للسكة.

7ـ التجمعات السكنية:

إن أسس تشكيل مدينة بمفهومها الكامل لا يتم فقط بتجمع سكني لفئة من الناس، ولا بضخامة وكثرة التجمعات السكنية، ولكن بما يمكن أن يفرزه استقرار هذه التجمعات من علاقات إنتاج داخلية وخارجية وتوازن الصراع الاجتماعي بين فئاتها وقدراتها على تراكم الإنتاج الحرفي والصناعي وتوسيع نطاقه، والابتعاد عن الاعتماد الكلي على الزراعة، وهذا النوع من الاستقرار وما يمكن أن يسفر عنه لا يتم إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة إليه، وهو استقرار كانت تفترضه اعتبارات جيوسياسية استراتيجية واعتبارات اقتصادية.

ومنذ تعيين “البقعة الأرضية” شرع الناس في بناء الدور في عهد الأمير أبي بكر بن عمر وقد نزل بها وأخذ في بناء الديار … فابتدأ العمل في الأساس بمشاركة أشياخ وحسب عونهم فأعانوا على البناء بالمال والرجال”[12].

ومنذ الشروع في عملية البناء بدأت تتوضح الأشكال المعمارية التي كانت تخضع إلى إمكانية الأفراد، واشتغل الناس فيها ببناء الديار كل واحد على قدر جهده واستطاعته[13].

وهذا ما سيحدد طبقية التجمعات السكانية ويميز بعضها عن بعض ويشكل نوعا من التراتبية الاجتماعية التي ظهرت منذ اللحظة الأولى لتأسيس المدينة، فهناك الأعيان والأشياخ والفقهاء والكافة والخاصة والجند على اختلاف مراتبهم[14].

وهذه الحاجة إلى الاستقرار والدفع بالنمو الحضري للمدينة بأسرع ما يمكن، وترسيخ مركز السلطة، استطاعت أن تستقطب وفودا أخرى للكشف عن رغبة عميقة في الاستقرار لمختلف العناصر التي كانت لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسلطة المرابطية… “فوفد عليهم منهم جموع كثيرة لأهم الأعمال وصرف أعيانهم في مهمات الأشغال، فاكتسبوا الأموال وملكوا الرقاب والرجال وكثروا بكل مكان وساعدهم الوقت والزمان”[15].

وكل هذه عوامل حاسمة في توسيع نطاق المدينة مما سمح بنموها الحضري؛ وهذا ما سوف يتجلى في دورها في مجال تبادل مختلف الصنائع وتقوية مركزها الصناعي وتوسيع أسواقها وما تقدمه من إنتاج.

5703242-8504872

8ـ تخطيط الهندسة المائية:

لا مدينة بلا ماء، وتنظيم مجاري المياه هو ما يساعدها على الإنتاج والمعمار والاستقرار، ومن الغريب كما يبدو ولأول وهلة أن يرفض مؤسسو المدينة في البداية الاستقرار على ضفاف نهر تانسيفت، لأن هذا ليس من طبائعهم ثم كانت آراء بعضهم أن تكون المدينة على وادي تانسيفت فامتنع لهم من ذلك وقال: “نحن من أهل الصحراء ومواشينا معنا لا يصلح لنا السكنى على الوادي”[16].

يمكن أن تشكل هذه الرؤية غيابا واضحا لدور الماء من أول وهلة كما أشرت في البداية، إلا أنها كانت تنطلق من حس جماعي لما يمكن أن يحمله الواد من خراب وهلاك للجماعة، وهذا الإدريسي يقول عنه أنه “واد دائم الجري وإذا كان الشتاء حمل بسيل كبير لا يبقي ولا يذر”[17].

وبذلك لم يكن الابتعاد عن الوادي ومياهه بغض النظر عن الطبيعة الصحراوية استهانة بدوره، إذ سرعان ما تم إيجاد حل لمشكلة الماء وذلك بحفر الآبار على الطريقة الصحراوية ولم يكن “ببعيد الغور، موجود إذا اختفر قريبا من وجه الأرض، وكون الماء ليس جاريا على وجه الأرض لم يمنع من إقامة البساتين، وهكذا أصبح ماؤها كما يقول الإدريسي  الذي تسقى به البساتين مستخرجا بكيفية هندسية حسنة على يد المهندسين عبيد الله وبن يونس وقد تم تعميمها، وهذا ما سمح لبساتين وجنائن مراكش بالاتساع حتى كثرت واتصلت بذلك عمارات مراكش وحسن قطرها ومنظرها…”[18].

9ـ وضع الأسس الصناعية الأولى:

إن من بين الأسس التي تسمح بانطلاقة مدينة ما وهي في طور التكوين هي قاعدتها الصناعية والاقتصادية، وبالأخص عندما يكون تأسيسها قد خضع لقرار سياسي، كما هو الشأن بالنسبة لمدينة مراكش.

إن الوافدين عليها ومؤسسيها لم ينطلقوا من العدم، فقد كانوا يحملون معهم تقنياتهم الأولية في مجال الصناعة، وهذه التقنيات لا يمكن إلا أن تجد مجالا لتنميتها في رقعة من الأرض ما دامت السلطة السياسية ارتبطت بها ارتباطا عضويا، هذا مع العلم أن الأمر لا يتعلق بتحول مجتمع زراعي مستقر إلى مجتمع صناعي يسعى إلى احتراف التجارة، ولم يكن الهدف مجرد إنشاء سوق داخلي عابر، ترسيخ مركز له سلطة بإمارته وجيشه وصناعته واستراتيجيته، وبذلك لا غرابة أن تؤسس منذ البداية مراكز مع بداية المعالم الأولى للمدينة.

إن أول الصناعات التي عرفتها المدينة هي صناعة النسيج، وكانت صناعة متطورة مسايرة لتطور الصناعة الدقيقة حسب ما يخبرنا به صاحب الحلل الموشية، ويمكن أن نصنف أنواع المنتوجات الصناعية في هذا الصدد كما يلي:

  • نسيج الأثواب الصوفية، وصناعة العمائم والبرانس، والثوب السوسي.
  • نسيج الصوف الدقيق وكانت تصنع منه الغفائر (مفرد غفارة) وهي عبارة عن خرق من الثوب تغطي بها النساء رؤوسهن، والشتكري وهو ضرب من النسيج كانت تصنع منه الجبات.
  • نسيج الكتان، وكانت تصنع منه القبطية.
  • صناعة الخيط – وقد عرفت بدورها تطورا مهما[19].

صناعة المعادن: ونكتفي هنا فقط بذكر صياغة الذهب وتحليته وصناعة السيوف والنقود والمهامير وأنواع الأسلحة ومختلف أنواع الحلي.

أما في مجال التجارة فإن أسواقها عرفت اتساعا لا في مجال الخضر والفواكه والقمح والشعير والمواشي من غنم وبقر وبعير فقط؛ بل في مجال المواد النادرة مثل العود والمسك والعنبر والند[20].

كما كثرت أسواق مثل سوق الدخان والصابون والمغازل.[21]

10ـ علاقة المدينة بمحيطها الخارجي (الضواحي والنواحي):

من البديهي أيضا أن نقول أنه من الصعب على أي مدينة أن تعيش بدون روافد خارجية، أي بدون تنظيم العلاقة بضواحيها وهي التي تمدها بما تحتاج إليه من إنتاج زراعي، وبالمقابل فإن المدينة هي بدورها بحاجة لتمد هذه الأقاليم والضواحي المحيطة بها ببضائعها وصناعاتها مع العلم أن بعض سكان المدينة يملكون بدورهم مراعي وفدادين وجنائن زراعية وإن كنا نعتبر هذا الرافد من الروافد الخارجية.

أكيد أن السوق المحلية ليس باستطاعتها أن تحول مجمعا سكنيا إلى مدينة مزدهرة، ولكن الأمر يختلف عندما يتمكن أغلبية السكان من سد حاجياتهم اليومية من السوق المحلية وعلى أساس من التبادل المشترك داخل المركز وبما يرد عليهم من إنتاج زراعي ومواشي وهذا التبادل هو ما يعطي الحيوية الاقتصادية للمدينة، وهكذا يتردد سكان القرى المحيطة ـ على المدينة ليجدوا أنفسهم في مسار تبعية مطلقة وهم في هذه الحالة يتعاطون البيع والشراء بتلقائية ولو إلى حين في منتوجات الحرفيين وسلع الاتجار معا كما يلاحظ ذلك ماكس فيبر[22].

ولاشك أن الموقع الجغرافي للمدينة كان يؤهلها لتلعب هذا الدور وهذا ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى أن اختيار الموقع لم يكن اعتباطيا أو خاضعا للصدفة، بل تم لاعتبارات استراتيجية محددة الأهداف على المدى المتوسط والمدى البعيد في آن. وهذا ما توضحه العبارة المشهورة التي جاءت على لسان أشياخ المصامدة وهم يخاطبون الأمير أبا بكر بن عمر: “نفيس جنانها وبلاد دكالة فدانها وزمام جبل درن بيد أميرها”[23].

إن هذا التحديد الجغرافي للموقع يعكس:

  • استرتيجية اقتصادية.
  • استراتيجية سياسية.

1ـ الاستراتيجية الاقتصادية:

إذا كان الموقع ما هو إلا مجرد خلاء لا أنيس به إلا الغزلان والنعام ولا ينبت إلا السدر والحنظل[24] فإنه مع ذلك إعلان المؤهل ليربط بلاد إيلان وبلاد هزميرة ما بين سكان الجبل والسهول والمجموعات السكنية سواء في الضواحي القريبة مثل نفيس ودكالة أو الضواحي البعيدة نسبيا مثل رجراجة وحاحا وسكان ضفاف أم الربيع…

وبذلك يمكن القول أن الموقع شكل مفهوم اتجاه اقتصادي وأن مداخيل المدينة يمكن أن تنمو مستقبلا، كما أنه بإمكانها أن تسد حاجياتها من المنتوجات الزراعية، كما أن المحيط بإمكانه أن يجد في فضاء المدينة المجال الأوسع لتصريف المنتوجات الزراعية…

وبالمقابل فإن على المدينة أن تزود هذا المحيط بمجمل البضائع والصناعات اليدوية والعملة، وهذا التبادل هو ما سيعطي للمدينة دورا فعالا وفعالية مستمرة لأداء دورها الطبيعي.

وبذلك يمكن القول أن علاقة المدينة بالأراضي الزراعية المحيطة بها هي علاقة حيوية ووجه من وجوه مظاهر متعددة لتشكل مركزا مستقرا لساكني الإمارة الجديدة.

2ـ الاستراتيجية السياسية:

إن السلطة السياسية التي هي في طور التأسيس كانت تبحث بدورها عن مستقر جديد لتدعيم سلطتها وذلك بضرورة إحكام الإشراف الكامل على الدور الإشعاعي الذي يمكن للمركز السياسي أن يلعبه في مرحلة التأسيس وفي الوقت الذي كان يشكل فيه الموقع المركز بحيرة في بحر مصمودة على حد تعبير الأستاذ أحمد التوفيق.

وكان يوسف بن تاشفين واعيا بخطورة موقع المركز، أنه مركز التوازن القوي بين ساكنيه وسكان محيطه وهذا ما ظهر بوضوح في وصيته لابنه “ألا يهيج أهل جبل درن ومن ورائه المصامدة وأهل القبلة (يقصد أهل جنوب الغرب)”[25].

ولاشك أن الأحداث المتوالية التي عرفتها الفترات التاريخية اللاحقة قد حولت بسرعة موقع المدينة إلى موقع استهلاك وإنتاج وتجارة بالإضافة إلى موقعها الثقافي وهذا الإحكام تم بواسطة المراقبة الصارمة للسلع الواردة على المدينة وضبط خطة السياسة الاقتصادية.

وقد تمت إقامتها منذ البداية وذلك بتحديد العلاقة مع كل الأقاليم والضواحي، وهي بالتأكيد كانت تساير مدى التقدم في ترسيخ موقع السلطة السياسية باعتبارها اتحادا سياسيا[26].

ومنذ تسوير المدينة زادت فعالية هذا الترسيخ، وهذا التسوير لم يحولها إلى قلعة عسكرية، بل زاد موقع سوقها المحلي حيث أصبح يضمن نوعا من الاكتفاء الذاتي، وينبغي أن نشير إلى أن التسوير لم يكن بدعة أو شيئا خارجا عن المألوف في تأسيس المدن القديمة وكما يقول ماكس فيبر: “إنه لم تكن هناك مدينة قديمة في أقاليم البحر المتوسط وما حداها إلا وفيها قلعة أو سور”.

هذا مع العلم أن علي بن يوسف لم يكن يرغب في الانفراد بالقرار مما جعله يطلب رأي العلماء في الأمر.

وباختصار يمكن القول أن العامل السياسي والاقتصادي قد تحكم في توجيه عملية التأسيس لتصبح مستقرا لإدارة السلطة السياسية، وهذا ما يعطي للمدينة صبغة “المدينة السياسية”.

إن البنيات الأساسية، كما حاولنا توضيح أبعادها جعلت من مستقر مراكش مدينة بالمفهوم الكامل لما يتضمنه هذا المصطلح من معنى في القاموس العمراني، إلا أنه لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن إشكالية المدينة {مراكش} الأساسية؛ هي أن إشعاعها ظل مرتبطا بوجود جهاز الدولة بها على الرغم من توفرها على المقومات الأساسية للمدينة؛ إذ كلما ابتعدت السلطة عنها آل إليها الخراب، وهذا ما يحتاج إلى بحث مستقل.

11032006_1485729685050347_9205475786253810227_n

[1]  الحلل الموشية ص.25.

[2]  انظر الإدريسي نزهة.

[3]  نفس المرجع السابق ص25.

[4]  نفس المرجع السابق ص 25.

[5]  نفس المرجع السابق ص 25.

[6]  نفس المرجع السابق ص 26.

[7]  نفس المرجع السابق 33.

[8]  نفس المرجع السابق 33.

[9]  نفس المرجع السابق ص 82.

[10]  الإدريسي نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ص 45.

    ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب تحقيق ومراجعة إحسان عباس 1983 ص 22.

[11]  انظر: Mohamed Daoudi Monnaies Medias 1987.P.146

[12]  ابن عذاري المراكشي البيان المغرب ص 20.

[13]  نفس المرجع السابق.

[14]  الحلل الموشية، ص 26.

[15]  نفس المرجع السابق ص 33.

[16]  ابن عذاري، البيان المغرب، ص 19.

[17]  الإدريسي نزهة المشتاق ص 44.

[18]  نفس المرجع السابق ص 43.

[19]  الحلل الموشية ص 27-28.

[20]  نفس المرجع السابق.

[21]  نزهة المشتاق ص 45.

[22]  انظر مقالة ماكس فيبر المدنية، معناها وشروطها وقيامها ترجمة رضوان السيد. مجلة الفكر العربي عدد 29 السنة الرابعة ص 8-26.

[23]  الحلل الموشية ص 16.

[24]  نفس المرجع السابق.

[25]  نفس المرجع السابق ص 82-83.

[26]  انظر مقالة ماكس فيبر – نفس المرجع السابق.

وسوم :

مواد ذات صلة

المعارضة السياسة للعلماء في التاريخ المغربي

تاريخ النشر : 11/09/2017

عدد المشاهدات : 316

ليالي العامرية .. (1)

تاريخ النشر : 15/04/2017

عدد المشاهدات : 4194

إحياء مدرسة ابن يوسف بمراكش

تاريخ النشر : 25/01/2017

عدد المشاهدات : 139

من صمود بلعربي العلوي إلى صمود عبد الإله بن كيران

تاريخ النشر : 12/01/2017

عدد المشاهدات : 537

'