أنشطة وأخبار

مراكش بين التأسيس والتمدين في عهد المرابطين والموحدين

تاريخ النشر : 14/11/2016

عدد المشاهدات : 966


مؤسسة ابن تاشفين / دراسات مراكشية 5

مراكش بين التأسيس والتمدين في عهد المرابطين والموحدين

دراسة بقلم:

ذ. لكديم الصوصي مولاي إبراهيم / كلية الآداب ـ مراكش

 إعداد ونشر:

مؤسسة ابن تاشفين / اللجنة العلمية

 

مراكش نموذج المدينة المغربية الأصيلة التي تراعي علاقة الإنسان بالبيئة والتي تجمع إيجابيات تنافس الشعوب المحيطة في ميدان المعمار وتهيئة المجال الحضري“.

 5593051-8341227

توجد أسماء مدن تاريخية رنانة وشاعرية تحمل ألفاظا موسيقية باطنية تجعل المتلفظ بها يسبح خلال النطق في الجمال.

ولعل مراكش أكثرها نكهة لا في نظر أبنائها فحسب ولكن بشهادة كل من عرفها من شرقيين وغربيين الذين أوردوا لفظ مراكش في بعض أشعارهم وأغانيهم ـ مدينة ماروك أو مرويكوس في الوثائق التاريخية الغربية.

المدينة التي دخلت القواميس اللغوية الأوروبية من الباب الواسع بفضل شهرتها بصناعة الجلد إذ ينسب الفرنسيون مثلا كل ما يتعلق بصناعة الجلد إلى مراكش فظهر لفظ ماروكينوغي.

المدينة التي يقدمها الإشهار السياحي بأوروبا وأمريكا على أنها مدينة ألف ليلة وليلة الساحرة بنخيلها المجاور لمنظر ثلوج الأطلس، بشمسها وسمائها وغروبها.

تعتبر مراكش وبحق أشهر المدن المغربية الأصيلة، والشاهد المباشر على عظمة المغرب والعبقرية المغربية ولعل صومعة الكتبية ببساطتها وعظمتها وشخصيتها الفريدة تذكر بذلك صباح مساء.

وليس ذلك صدفة أو حكما ذاتيا بقدر ما هو نتيجة تفاعل عدة عوامل ضمنت وتضمن لمراكش أسباب البقاء والإشعاع …

فقد كان اختيار موقع موضع المدينة علميا أخذ بعين الاعتبار محاسن الظروف الطبيعية والجغرافية، وارتكز تمدين مراكش حول مبادئ دينية وموضوعية وحكم عليها موقعها الاستراتيجي ووظيفتها السياسية حيث كانت عاصمة البلاد علانية أو في الخفاء منذ نشأتها إلى يومنا هذا أن تكون مدينة اختلاط وتمازج السكان وأفراد القبائل المختلفة والحضارات افريقية كانت أم متوسطية أو شرقية … كلها أسباب رسخت أهمية ومكانة مراكش وطنيا ودوليا.

1ـ تأسيس مراكش والاختيار العقلاني للمواقع:

مدينة المغرب الأطلنطكي الداخلي توجد مراكش بسهل الحوز وهو سهل قبأطلسي داخلي ينحصر بين الجبيلات شمالا والأطلس الكبير الأوسط جنوبا ويمر منه واد تانسيفت أحد أنهار المغرب الكبيرة.

وقد ظل السهل ولوقت طويل منطقة زراعية رعوية تفسر فيها قساوة الظروف المناخية سيطرة نصف ترحال النشاط الاقتصادي القديم، فقد كانت المنطقة أزغار للقبائل البربرية بالأطلس الكبير الأوسط (ادرارندرن) بلد الاستقرار والتشجير الثمري.

وضمن أراضي الرعي الجماعي وجدت منطقة عازلة بين قبائل زمور، زعير وزيان، ولعل هذه المنطقة العازلة التي كانت في ملك شخص أو خلاء حسب الروايات، تحمل اسم مروكوش، كلمة أخرى استعملت للدلالة على بلد رعى خارج عن الأراضي الجماعية.

thumbs

2ـ تسمية المدينة:

إن كلمة مراكش مشتقة من اللغة البربرية التيفناغ التدباكين أو اللغة المقدسة لأهل الصحراء الكبرى قبل ظهور الإسلام وهي اللغة الأم للهجات البربرية المستعملة في أقطار المغرب العربي الحالي، ومما يثير الانتباه هو تشابه هذه اللغة باللغة العربية الأصلية خاصة في استعمال الحركات على شكل نقط وفي استعمال حرف للتعبير عن أصوات  ج و ق و ك (كل ما يقمقم، يجمجم أو يكمكم).

وعلى كل تتكون تسمية مراكش من كلمتين: ماروأو مارور وتعني مكان، وكوش وتعني الرعي، لكن بعد اعتناق البربر الإسلام بدأوا يستعملون بكثرة في كتاباتهم لغة القرآن وتخلوا عن لغة التيفناغ التي لم يبق من حروفها إلا رسومها تستعمل في وشم جلد النساء للتزيين أو لتوقيع جلود بعض الدباغين، لا يعرف لها مستعملوها أي معنى، كما انبثقت عنها عدة لهجات أهمها تاشلحيت، ونصادف كلمة كوس في اللهجة الدارجة المراكشية في الأوساط الشعبية القديمة الاستقرار بالمدينة؛ إذ تدعو النساء على أبناءهن الغير المطيعين فتقلن “تمشي تكوس” بمعنى الله يبعدك عني لمدة كما يبعد الراعي المنتجع أو الرحال عن أهله مدة معينة.

ولما أسس يوسف بن تاشفين أو أبو بكر بن عمر حسب الروايات مدينة مراكش في 1070 ميلادية على الترجيح أصبحت المدينة تحمل اسم المكان الجغرافي الموجودة فيه، ولئلا يقع خلط بين البادية المحيطة بالمدينة والحاضرة بدأ الناس يتحدثون عن حوز مراكش.

اسم عمم فيما بعد عن كل السهل، ونتيجة لتوسع المدينة وإشعاعها السياسي والثقافي على مر العقود التاريخية ضاع المعنى الأصلي لكلمة مراكش في غيابات التاريخ وأصبح الناس يعطونها ما بدى لهم من معاني، فمنهم من زعم أن مراكش تتكون من مر بمعنى اذهب، وكش بمعنى امسك جيدا، ومرد هذا التفسير حسب زعمهم، وجود قطاع الطرق بالمدينة والخاصية، تفسير من الصعب الاقتناع به مرجعه أن وجود قطاع الطرق كان شيئا مألوفا في المعمور بإفريقيا وأوروبا، فمن غير المعقول أن تنعت منطقة أو مدينة بصفة عادية أو مألوفة.

وتؤكد النصوص التاريخية أن معنى مراكش هو مكان الرعي ويلمح له صاحب الحلل الموشية وعبد الواحد المراكشي في كتابه المعجم بقوله أن مراكش كانت عندما وصل المرابطون مجالا خاليا بدون بنايات.

3ـ موضع ممتاز وموقع استراتيجي:

لما تخطى المرابطون جبال الأطلس الكبير، لم يخطر ببالهم الاستقرار في مدينة أغمات القريبة من وكر المصامدة والتي لا توفر إمكانيات امتداد عمراني يستجيب لعاصمة في مستوى طموح الدولة الفتية.

فوقع اختيارهم على مراكش لأنه مكان محايد يوجد بسهل في أسفل حادور طويل يمتد من الدير إلى وادي تانسيفت، وعلاوة على توفر المساحات المنبسطة وحجارة البناء بجبل جليز والصخور الكلسية لإنتاج الجير ورمال تانسيفت فإن تربة المنطقة خصبة جدا ويمكن تشكل التضاريس من استغلال السديمة المغدية بواسطة الخطارات، وهي سواقي تحت أرضية تمكن من إيصال المياه الباطنية إلى وجه الأرض في مكان معين، وقد مكنت هذه التقنية أهل المدينة من الاستفادة من ثلوج الأطلس ومن التساقطات على طول السنة، ومن تزويد السكان والمنشآت الحضرية الإسلامية الحمامات والمساجد بالماء الشروب.

وإذا كانت مؤهلات موضع مراكش جد مهمة، فإن موقعه يزيد في الطين بلة، إذ يجعل المنطقة مفصلة على عالميين مناخين وموفلوجيين مختلفين: العالم الصحراوي بتضاريسه الإفريقية التي يغلب عليها الانبساط وبمناخه الجاف، والعالم المتوسطي الاطلنطكي بتضاريسه الفتية المتنوعة المنظر والوحدات المكونة، الصغيرة الحجم نسبيا وبمناخه المتميز بتركز الأمطار خلال فصل الشتاء.

فقد أسست مراكش على طريق تجارية قديمة يرجح روض القرطاس إمكانية وجود مدينة رومانية صغيرة بها سماها البعض بوكانوم هيمريوم ولو أنها توجد جنوب حدود الإمبراطورية الرومانية المعترف بها بالمعلومات التاريخية الراهنة والمسماة الليميس.

وعلى كل؛ مكن موقع مراكش الاستراتيجي المدينة من مراقبة الطرق الشمالية الجنوبية والشرقية والغربية، فالجبيلات بالشمال لا تشكل حاجزا طبيعيا في وجه التنقل، كما تراقب مراكش الممرات الطبيعية الجبلية بالأطلس: تزن تلوات وتزن فدغات (قرب تزن تشكا الحالي) وتزن تاست وممر أركلنة وعبر هضاب إذ وتنان في الغرب كما تراقب المدينة الطريق المؤدية إلى شمال المغرب عبر السراغنة وسهل تادلة إلى فاس، الطريق التي ستنعت فيما بعد بطريق السلطان.

وبذلك تأهلت مراكش لاستقبال حبوب شونة المغرب بالشمال وثمور وحيوانات الصحراء ليصبح دورها الاقتصادي وإشعاعها كبيرين.

تلك هي الظروف التي جعلت موقع وموضع وتشكيلة مراكش تخرج عن قاعدة التصور الهندسي التمدني المعمول به في العصور الوسطى بالعلم وتقدم تنوعا فريدا من نوعه بإحياءها ودورها: فهي المدينة الوحيدة بالمغرب المبنية في موضع غير محمي ومحصن طبيعيا، لا توجد بجواره عيون ولا مجاري مائية دائمة سطحية كما هو الشأن بمدينة نفيس أو سجلماسة أو فاس، ولا دير أو جبال محصنة كما هو الحال بأغمات أو دمنات… فهو واحة متعمدة ستجعل منها الحضارات هبة الأطلس الكبير وستأهلها إمكانياتها الطبيعية والاستراتيجية لتصبح أكبر حاضرة فإفريقيا الشمالية.

95051

4ـ تمدين مراكش ناتج عن زواج الحضارات المحيطة:

تلخصت المدينة في النسيج المعماري المنحصر داخل الأسوار التي شيدت منذ عهد علي بن يوسف المرابطي، وقد طبع هذا المجال الحضري بمدينة سلطانية (قصر الحجر ثم القصبة)، وبرياضات القواد والأعيان، فبسكنه الشعبي ومجاله الحرفي بمميزات معمارية وتهيئة مجالية يمتزج فيها التأثير الصحراوي الإفريقي والتأثير المتوسطي الشرقي، فأعطاها هنداما خاصا جعل منها متحفا لتقاليد وتقنيات العالم المتحضر المعروف في ميادين البناء والحرف وإعداد التراب.

ويمكن أن نؤكد بدون مجازفة أن مدينة مراكش هي أول مدينة مغربية حقيقية إذ أن كل المراكز الحضرية التي سبقتها اتسمت بطابع الجهوية المحدودة، فاس البالي بأزقتها الضيقة وساكنتها وحرفها تذكر بالشرق العربي وبالشرق الأقصى وتمزج المؤثرات المتوسطية الإغريقية الرومانية بالمؤثرات العربية الإسلامية، أغمات ودمنات تحمل البصمات التقنية لأهل الجبال الذين اعتنقوا الإسلام دون التفريط ببعض العادات والتقاليد القبإسلامية، سجلماسة مدينة تأثرت بالنمط الصحراوي الإفريقي الذي نوعه مجيء الإسلام…

ومرد كل ذلك إلى استفادة مراكش المدينة من ظروف طبيعية جيدة ومن ظروف سياسية متميزة صادفت تكوين أكبر إمبراطورية بشمال أفريقيا امتدت من إسبانيا شمالا إلى السينغال ومالي جنوبا ومن المحيط الاطلنطكي غربا إلى حدود مصر شرقا وأصبحت عاصمة الملك فترعرعت في ظل المرابطين والموحدين فاستقطبت النخبة الفكرية والأدبية وأمهر الصناع والحرفيين فصارت مدينة مختلطة الأجناس استفادت من تنوع التقنيات والخبرات المعروفة في المعمار وتصور تهيئة المجال والحرف جعل من الحاضرة الفتية منذ نشأتها معرضا ومتحفا للحرف والمعمار والمهن، تتجلى في أحياءها السكنية والحرفية بصمات الجهات الجغرافية الخاصة بشمال الأطلس الكبير وبجنوبه.

ولازالت الأماكنية وتوزيع الأحياء في النسيج الحضري القديم تشهد بذلك وتبين أن مدينة مراكش المحاطة بالأسوار هي في الحقيقة مدن تشبه المدن القرى التي وصفها نييمر بالأندلس وسماها شتاتدورف  فقد كان لكل حي استقلاله الذاتي، له تجهيزاته الاجتماعية الثقافية من مساجد الدروب والمسجد المركزي بالحي الذي توجد بجانبه ساحة عمومية لإقامة الحفلات الدينية والتقليدية وسقاءاته وحماماته وفراناته وباب مدخله الرئيسي الذي يغلق في الليل، وصلة الوصل بين الأحياء الشعبية هي مجال الأسواق الحرفية التي تجمع في ترتيب منسجم التعاضديات الحرفية أو الحنطات، ويتكون هذا المجال الاقتصادي من محورين طريقيين متعامدين يلتقيان حول مسجد ابن يوسف بالقبة المرابطية المشهورة وينتهيان بأبواب الأسوار الرئيسية: باب دكالة غربا وباب الدباغ شرقا، باب الخميس شمالا، وباب السمارين جنوبا ينتهي الترتيب الذي يجعل قرب مسجد ابن يوسف المهن النبيلة والنظيفة (كتبيين وتجار الأثواب) ثم المهن القليلة التلوث فالأكثر تلوثا بمهن النار في أقصى شمال (حدادين وقشاشين) وبالمهن الكيماوية والنارية في أقصى الغرب وأقصى الشرق (دباغين وفخارين).

ذلك كان شكل التنظيم المجالي الحضري الذي تمحور حول هذين الشريانين الحرفي والتجاري بما نسميه المدينة الإسلامية العتيقة التي تمتد من باب الخميس إلى ساحة جامع الفناء، كما أوحت لنا به الوثائق القديمة والأماكنية، فدراسة الفنين المعماريين المتوسطي والصحراوي ثم ذاكرة الآباء والأجداد، وضمنه نسجل تكتل الدور الفسيحة أو الصغيرة المبنية بالآجور الفخاري والجير والمحتوية على مستويين أو أكثر حول أو بالقرب من المركز ويتعلق الأمر بالأحياء السكنية المواسين القصور رياض العروس (درب تزكارين أساسا)، زواية الحضر ازبزط قاعة ابن ناهض.

بينما تظهر أحياء الصناع السكنية كشبه قرى، بدور من مستوى واحد غالبا فقيرة الآثار التاريخية على هوامش قرب الأبواب الرئيسية للأسوار، يوجد بها تداخل بين المهمة السكنية والمهمة الحرفية وتنقل بها مواثرة الحياة اليومية على مواثرة الأعمال الفلاحية: العمل من طلوع الشمس إل غروبها، ارتباط حجم الإنتاج بطول أو قصر النهار وارتباط مداخيل الصناع بالتساقطات السنوية، فالجفاف يعني الكساد…

8447580-13265453

5- ساحة جامع الفنا:

وتنتهي المدينة الشعبية جنوبا بساحة جامع الفناء (بكسر الفاء) أو الفناء (بفتح الفاء) أو الفنار حسب التأويلات والروايات.

فمنهم من يعلل التسمية بفتح الفاء بما شهده قصر الحجر من مذابح عندما أقصى الموحدون المرابطين من الحكم، أو يفسرها بتعليق رؤوس الثوار المملحة المقطوعة على جدران مساجد الساحة لتكون عبرة لمن أراد الخروج عن طاعة المخزن، ومنهم من يبررها بكسر الفاء بوجود ساحة فسيحة عارية من البناء تفصل المدينة الشعبية من المدينة السلطانية القصبة المحصنة بأسوارها وهوامشها روض الزيتون والقنارية، المدينة المتميزة بتصميم هندسي تمديني يشبه إلى حد بعيد ما كان معمولا به في المدن الرومانية: قصور ومكان للتعبد أي جامع رئيسي متمحورة حول شارع رئيسي ينتهي بأبواب فخمة تعبر على عظمة السلطة في جانبيه: باب أكناو خاصة.

ومنهم من يسميها بساحة الفنار؛ ومرجع ذلك وجود أعلى صومعة بالمدينة، صومعة الكتبية، بالمكان تمكن مؤقت للمدينة من إعلان دخول وقت الصلوات الليلية بواسطة مصباح (= فنار) يضعه المؤذن بواسطة حبل وجرارة بأعلى الصومعة فينطلق المؤذنون في جميع أرجاء المدينة بالمناداة على المصلين لصلاة المغرب أو العشاء أو الفجر، أو الصبح.

6ـ انسجام التنطيق التقليدي مع المناخ:

وجه تمدين مراكش بقانون وإيمان، مما جعل المدينة تضم تجمعا بشريا لا يعرف أي قطيعة بين ما هو روحي وما هو دنيوي، بين الفن الديني بالمساجد والأضرحة والفن العادي بالقصور ودور السكنى الميسورة، بين الوظيفة السكنية للمجال الحضري والوظيفة المهنية؛ فقد استطاعت المنشآت الدينية أن تسوي الفوارق الاجتماعية بين الطبقات وأن تخلق في إطار الحي وعلى مستوى المدينة تعاضدا قد يذهب إلى العصبية أحيانا “انصر ابن حومتك ظالما أو مظلوما”.

وعلى كل يتأخى أهل الحي والمدينة في المساجد والأضرحة دون أي اعتبار للثروة بفضل مساعدة الغني للفقير في الحي واختلاط أبناء الدرب كيفما كان مستواهم الاقتصادي.

فوحدة الحي تدور في فلك مسجد الجمعة للحومة والمنشآت التابعة له (مرحاض، ضريح، حمام، غسال، وسقاءة)، وحوله تبنى المساجد الصغيرة كلما انطفأ صوت المؤذن ليبقى الأذان مسموعا في جميع أرجاء الحي والمدينة كما يلتف أهل الدرب في هذه المساجد الصغيرة، وتدور كل الحومات أو الأحياء الكبيرة في فلك مسجد ابن يوسف الذي تعطى فيه الدروس العلمية، ولا ينعكس مبدأ السلم على التصميم التمديني للأحياء والمدينة كلها فحسب، بل يتجلى حتى في رمز سبعة الذي تكنى به مراكش، فهي مدينة سبعة رجال، سبعة صنائع، سبعة أحياء، سبعة أبواب، ولعل رمز سبعة يؤكد تنظيم المجال حول الماء (وضوء) والعبادة والأسواق، يوحي بما يلي:

س = سماء

ب = بحر

ع = علم

ت = تراب

ويتجسد كذلك داخل وخارج الأسوار في تكاثر الجنان والرياضات والعراصي وحتى الروضات (مقابر) التي كانت جزءا لا يتجزأ من المجال الحضري مبدأ اعترف به التمدين العصري الذي يدخل ضمن تصنيفاته للمقابر في تهيئة المجال المعاصر المقابر الغابوية، المقابر المنتزه والمقابر مجالات خضراء الـخ، .

وما هذه المساحات الخضراء التي لم يبق منها حاليا إلا أسماء واماكنية، وأحواض المياه إلا انعكاسات لحظات خلود تتضاعف في المساجد والدور من خلال البركات والنافورات وحتى آفاق المدينة التي لبست حلة خضراء من البساتين والمساحات الخضراء النافعة ليعيش المدني في هدوء وسكون لا تعكره إلى متعة خرير المياه، وكما وضع منبع الماء بالنافورة أو البركة وسط الدار وضع المسجد الذي يتوسطه الصحن في مراكز المدينة الحرفية.

إلا أن تصميم هذه المدينة تصميم معكوس لما نسميه بالدار المغربية الأندلسية؛ ففي “الرياضات” توجد النافورة وسط الفناء تحيط به “أحواض” من النباتات تفصلها ممرات أو “مشاوات” تؤدي إلى الغرف أي البناء الذي يحيط بالدار، أما في المدينة فيوجد مسجد ابن يوسف في المركز تحيط به الأحياء السكنية والحرفية أي المجال المبني الذي تخترقه أزقة رئيسية متعامدة تجمع الصناع والتجار، وتحيط بالكل مساحات خضراء المتجلية في العراصي والجنانات أو الروضات.

وترتيب العناصر المكونة لتصميم المدينة هذا، الذي يناسب طبعا شكل تنظيم الحياة المدنية التقليدية، ضرورة تهدف إلى إحداث مناخ يعالج الإفراط في كثرة الضوء والحرارة وجفاف الهواء في الصيف، فمن شأن التبخار الذي تحدثه نباتات المساحات الخضراء المتعددة أن يرطب الهواء، شيء إلزامي للرئتين، ويخفف من حرارة الصيف المفرطة إذ أن غراما واحدا متبخرا يبتلع 600 سعرة حرارية، شيء لا يعرف مدى أهميته إلا من عاش بمراكش وعانى من 19 يوما السنوية التي تهب فيها رياح الشرقي الجافة والحارة، وفي نفس السياق يحارب شكل الأزقة لهبان الصيف إذ إن الأزقة الضيقة والمغطاة من هنا وهناك في الدروب (صابات) وأزقة الأسواق المغطاة بالقصب تسمح بإحداث تيارات هوائية تلطف المناخ في النسيج الحضري، علاوة على توفر كل حي على سقاءات ودوالي كانت تعطي السويقات بهدف التكثير من المنخيات بالمدينة لنفس الغرض.

ولا ينحصر دور المساحات الخضراء في تلطيف الهواء فحسب بل تمكن المواطنين إضافة إلى ما تدره على المدينة من منتوجات بقلية وثمرية، من التمتع بالطبيعة والتنزه أيام العطل والأعياد بتشجيع من مالكي البساتين، وتضفي على النسيج الحضري حلة قشيبة جعلت سكان المدن المغربية الأخرى ينعتون مراكش بمدينة البهجة.

كل ذلك جعل من مراكش نموذج المدينة المغربية الأصيلة التي تراعي علاقة الإنسان بالبيئة والتي تجمع إيجابيات تنافس الشعوب المحيطة في ميدان المعمار وتهيئة المجال الحضري.

وهو النموذج التي تبعته المدن المغربية الأخرى في تطورها أو في بناءها.

telechargement

قدمت هذه الدراسة ورقة في أشغال الملتقى الأول ل: {مركز الدراسات والأبحاث حول مراكش} 
المنعقد سنة 1988 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش
تحت عنوان: {مراكش من التأسيس إلى آخر العصر الموحدي}
تنظيم:
لجنة مشكلة من: د حسن جلاب رئيس المركز / د عبد السلام الخرشي / د عبد الصمد بلكبير / د أحمد عمّالك ..
unnamed-3

وسوم :

مواد ذات صلة

المعارضة السياسة للعلماء في التاريخ المغربي

تاريخ النشر : 11/09/2017

عدد المشاهدات : 313

ليالي العامرية .. (1)

تاريخ النشر : 15/04/2017

عدد المشاهدات : 4194

إحياء مدرسة ابن يوسف بمراكش

تاريخ النشر : 25/01/2017

عدد المشاهدات : 139

من صمود بلعربي العلوي إلى صمود عبد الإله بن كيران

تاريخ النشر : 12/01/2017

عدد المشاهدات : 537

'