أنشطة وأخبار

مراكش .. الدولة والمدينة: مرحلة التأسيس

تاريخ النشر : 19/11/2016

عدد المشاهدات : 379


مؤسسة ابن تاشفين / دراسات مراكشية 10

مراكش .. الدولة والمدينة: مرحلة التأسيس

دراسة بقلم:

د. عبد الغني أبو العزم / كلية الآداب _ البيضاء

إعداد ونشر:

مؤسسة ابن تاشفين / اللجنة العلمية

 11032006_1485729685050347_9205475786253810227_n

ما علاقة الدولة بالمدينة؟

وكيف يتم التحكم في أبوابها وأسوارها منذ تأسيسها؟

مع التأكيد على أن عملية التأسيس لا تكون إلا نتيجة ضرورة تمليها عدة عوامل، منها ما هو طارئ، ومنها ما يخضع لاستراتيجية تدعيم السلطة، وكل هذه العوامل تدفع بالعمران إلى أن يأخذ بعدا ذا سلطة في المركز والمحيط سواء عندما تشرع جماعة ما في تأسيس أماكن إيوائها، والبحث عن غذائها وتوسيع من مكانتها وقوتها الشرائية بفتح مجال التبادل، أو عندما تكون قد أنهت عملية التأسيس ودخلت في مرحلة الحفاظ على وجودها بالدفاع الممكن والمتوفر داخل قلعة أو حصن.

إننا لن نأتي بأي جديد إذا قلنا إن الغذاء والدفاع والتبادل يشكل المحاور الأساسية داخل كل بقعة يتم تأسيسها[1]؛ سواء اتخذت صفة القرية أو البلدة أو المدينة، إلا إن هذه المحاور تتفاوت نسبة حدتها وضخامتها وذلك حسب طبيعة المرحلة التاريخية التي تمر منها، حيث يتحول الصراع سواء كان داخليا أو خارجيا إلى مسألة وجود وبذلك تصبح سلطة المدينة داخل جهاز الدولة الرمز والمنطق لحماية هذا الوجود، وهذه العلاقة الجدلية من وجهة النظر التاريخية تعرف تفاوتات وعلى عدة مستويات.

ويجب أن نبقى هنا في إطار النموذج الذي نحن بصدده:

تأسيس مراكش، كيف تم؟

وما هو المحيط الذي ساعد على النشأة؟

ويمكن أن نقرر منذ البداية أن الأمر كان يتعلق بقرار سياسي اتخذ على أعلى المستويات ما بين سلطة وافدة هي السلطة المرابطية، وسلطة مغلوبة على أمرها، هي حقيقة سلطة المشايخ والأعيان الممثلة في المصامدة، ويمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا، لنقرر كذلك حقيقة تاريخية وهي أن عملية التأسيس هاته، ولو أنها كانت تحت إشراف السلطة الوافدة قد تمت بمشاركة فعلية للسلطتين معا، وبنوع من التوافق والتراضي ولو ظاهريا، إلا أن النوايا المخفية لكل من السلطتين تبقى قائمة تنتظر لحظتها المواتية.

يمكن للمعطيات التاريخية وعلى ضوء ما سبق أن توضح أبعاد العمران، وتحديد العلاقة ما بين موضوع الدولة والمدينة، على الرغم من بعض الإشكالات التي يطرحها هذا الموضوع والتي ليس من البساطة إيجاد أجوبة شافية لها، ولكن مع ذلك يمكن أن نسمح للتأمل مع محاولة دراسة العوامل التي ساهمت في بلورة فكرة التأسيس بأن نقدم بعض المنطلقات لتحديد الصورة الأولية لها.

ويجب كذلك أن نؤكد منذ البداية أن الوصف المجرد لا يحل إشكالية، بل يغيب جوهرها وكنهها، ودراسة العمران بشكل مجرد لا يكشف عن ماهية الدولة ولن تقدم إلا قدرا محدودا من تصور ينحصر في الخطوط العريضة لتوجهاتها، وبذلك نعتبر أن تجاوز الوصف العمراني مسألة ضرورية لمعرفة كنه ذلك العمران لا على المستوى الحضاري فقط، بل وعلى المستويين السياسي والتاريخي، فكم من عمران تهدم وانقطع واندثر، إلا أنه لم يلغ تاريخية سلطة ما “إذ أن الظاهرة الملموسة التي يتجلى بها وجود الدولة لا تفيدنا في التعرف على كهنها[2]” كما يقول جورج بوردو في كتابه عن الدولة.

وأضيف كذلك بأن وصف المعالم والمباني التاريخية لمدينة ما لا يكشف عن طبيعتها إذا لم يتم الكشف عن البنية الذهنية المكونة لها، والحمولات الفكرية والتاريخية التي كانت وراء تأسيسها، وكيف تطورت اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

إن الدولة ما هي في نهاية المطاف إلا فكرة، والمدينة فضاء تسبح فيه تلك الفكرة كالأوتاد التي تشد الخيمة، إنها تعكس الفكرة في ماديتها وحركتها وتبقى الدولة تشكل البنية الذهنية المكونة لها، وبذلك نتعامل مع البنايات والمؤسسات والمرافق العمومية كفضاء لتصريف أفكار قابلة للتطور والتغيير بواسطتها ندرك حدود الدولة وآفاقها وقوتها، ومدى قدرتها على حماية ورعاية الثالوث الأساسي لمحور الدولة في المدينة: الغذاء _ الدفاع _ التبادل.

ويمكن الآن على ضوء هذا التقديم أن نطرح سؤالنا الأساسي: ما هي العوامل الأساسية التي كانت وراء تأسيس مدينة مراكش؟

هل هي عوامل سياسية قبلية أو عوامل اقتصادية؟

عوامل حضارية مشدودة الرغبة في الاستقرار؟

هل السلطة السياسية التي كان يتحكم فيها الصنهاجيون كانت واعية بأهداف الانجاز عندما خضعت لرغبة المصامدة ودفعت في اتجاه تأسيس مدينة بعيدة عن مواقعها وتجارتها ومركزها الديني؟

لقد تمكن الصنهاجيون من احتلال مواقع المصامدة كمرحلة أولى، وهو احتلال يدخل ضمن نسق تطور صيرورة النمو الخارجي، تولد كمظهر من مظاهر الغزو لمجتمع جديد يتميز بالاستقرار.

وكما يقول صاحب الحلل الموشية: ((وانصرف |إلى بلاد المصامدة/ وطاعت أوريكة وهيلانة وهزميرة/ احتلوا أغمات أوريكة))[3].

وواضح من خلال هذه العبارات أن الاحتلال كان من نتائجه الإذعان والطاعة… ومن الطبيعي أن يفرز قلقا وضيقا وتبرما عبر عنه السكان الأصليون بوضوح.

ولكي تكتمل صيرورة النمو الخارجي في محاذاتها لصيرورة النمو الداخلي كان من الطبيعي أن يحصل تطور في أشكال السيطرة لجزء من مجتمع المصامدة.

ولا شك أن وعي المصامدة كان يقودهم إلى محاولة التخلص من السيطرة الصنهاجية بأي عذر كان، ووجدوا في توسع الكثافة السكانية للمهاجرين الحيلة الأولى إذ أن الطاقة الاستيعابية للأرض لم تعد قادرة على تحمل تكاثر الوفود الوافدة ((إذ كثر الخلق بها وضيقوا على أهلها وكانوا على حال صعبة))[4].

ولم يكن أمام أشياخ المصامدة إلا الإكثار من الشكوى والتركيز على هذه النقطة وكأنها يمكن أن تحمل فرجا لضيقهم، فعرضوا الأمر على الأمير أبي بكر بن عمر مرارا لما يلحقهم في ذلك من العناء والمشقة ((وأنهوه إليه المرة بعد المرة))[5].

وأعتقد أن الحرص على استمرارية النمو الداخلي لسلطة في طور التكوين دفع بالأمير إلى قبول الطلب، وكان ذلك واضحا من قوله: ((عينوا لنا موضعا نبني فيه مدينة إن شاء الله”[6].

ويمكن هنا أن نتحدث عن وازع داخلي نفسي، كان يستبد بالمصامدة وهو أنهم كانوا يخافون خوفا لا حد له بأن يتعرضوا للذوبان، وإلحاحهم على السلطة الوافدة بأن تبحث عن مكان آخر لسلطتهم ولنفوذهم، مما يفسر ويترجم رغبتهم في الحفاظ على عصبيتهم وعلى وحدتهم القبلية، وذلك ولو بالتخفيف من ثقل الغزو الخارجي والتخلص من شبح خطر الغزو.

وبذلك يمكن القول إن السلطة السياسية لم تكن هي التي ألحت ودفعت وسعت إلى إنشاء مدينة مراكش ولكنها رأت في العملية خدمة لاستراتيجيتها ومحاولة جادة لتكوين مركز مستقر يخلصها من الصراع الداخلي، ولاشك أن إشرافها على عملية التأسيس للمدينة سيضعها بالضرورة في موقع قوة، ويبعدها عن كل ما من شأنه أن يعرضها مستقبلا لحقد دفين عن المصامدة.

وهنا ينبغي الإشارة فقط إلى أن خروج اللمتونيين من رباطهم عرف تداخلا ما بين نشر الدعوة والعمل دعم مركزهم الاقتصادي وذلك بالاتصال بجماعات جديدة والتحكم بالمراكز التجارية، وهذا ما دفعهم للبحث عن وسائل جديدة لتوسيع مناطق النفوذ..

ويمكن أن نستنتج أن وجودهم بأغمات لم يكن يلبي كل طموحاتهم وهذا ما يفسر قبولهم بدون تعقيد لمغادرتها تحت إلحاح أشياخ المصامدة للبحث عن موقع جديد لسلطتهم مع التأكيد على أن بسط نفوذهم في قلب أغمات كانت تحيط به مخاطر جديدة بالإضافة إلى أن مفهوم الرباط لم يعد يتلاءم وطموحهم السياسي ولكن مع احتفاظهم بالتشبت بالسلطة الدينية ومردوديتها، وهذا ما سيقوي من تداخل السلطتين، السلطة السياسية بوجود أميرين أمير سياسي وأمير ديني، وهذا يعود إلى قناعتهم منذ النشأة وظروفها وتدعيمهم لهذه الازدواجية.

وهذه ميزة مرابطية وسنلاحظ استمرارها إلى حين في عهد الموحدين.

وأود الآن أن أعود إلى عبارة أبي بكر بن عمر: (( عينوا لنا موضعا نبني فيه مدينة إن شاء الله)).

لأقول إنها عبارة هادئة واعية تمثل طبيعة تلك الفترة التي تميزت بالانسجام ولو ظاهريا، وهو انسجام يبحث عن متنفس للطرفين مع العلم أن الطرف الأساسي المتمثل في السلطة المرابطية كان يحمل وعيا تاريخيا بضرورة إيجاد مركز مستقل خارج عن كل ما له علاقة بالنسبة للمصامدة ليسمح لها بالتحكم في الأطراف، إنه المركز الديني والسياسي الذي سيمثل نقطة الجذب وضبط الصراع، وهكذا سيتمكن الطرف الثاني أي المصامدة بأن يخلو إلى وحدته وهدوئه وأسلوب معيشته بعيدا عن السيطرة المباشرة.

إلا أن هذه الرؤية لا تمنع من القول بأن تعاونا تاريخيا هائلا قد حصل ما بين الطرفين، طرف يسعى إلى الانكماش وتقديم الولاء والطاعة من بعيد ولو مؤقتا، وطرف يريد تأسيس سلطة ممتدة الأطراف ويبحث عن مركز إشعاعي.

وهذا في اعتقادي ما يفسر أن اختيار بقعة رحبة وعلى أساس اتفاق جماعي قد تم بدون مشاكل وهكذا ((اجتمعوا على أن بنائها بين هيلانة وبين هزميرة)).

فهل هذا الاختيار كما يقول دوفردان اختيار اتسم بالحياد؟[7]

وأعتقد أن الأمر لا يقف عند مجرد الحياد، فهو في ظاهره حياد إيجابي لا يخفي أي نوع من المكر والخديعة ظاهريا وخصوصا عندما يضيف المصامدة بقولهم: ((لقد نظرنا لك أيها الأمير موضعا صحراء رحب الساحة واسع الفناء يليق بمقصدك)). بل يضيفون أكثر من هذا: ((نفيس جنانها وبلاد دكالة فدانها وزمام جبل درن بيد أميرها))[8].

إلا أننا ومع كل هذا الوضوح، نجد أن بواطن الأمور تشير إلى شيء آخر، فالاختيار وعلى ضوء ما أوردناه أعلاه هو محاولة أخرى لاستراحة المحارب المنهك القوى، وفي نفس الوقت استعادة النفس واسترجاع الطاقات والإمكانيات، وكذلك لا يمكن أن ننكر الوجه الاستراتيجي الآخر للمصامدة على المدى البعيد وكما يقول الصديق الباحث أحمد التوفيق: ((إن الموقع في نهاية المطاف كان بحيرة في بحر مصمودي))[9].

بهذه الصورة ننظر إلى المشاركة الجماعية التي سعت إلى اتخاذ قرار بناء المدينة، وهو قرار على طرفي نقيض، وكل طرف ينطلق من حسابات ذاتية واستراتيجية… قرار سياسي ساهمت فيه السلطة الوافدة وسلطة الجماعة المغلوبة على أمرها، وهو قرار يتوزع ما بين اعتبارات شتى، منها القبلي والسياسي والاقتصادي والإداري… وهذا ما أعطى بناء مدينة مراكش منذ البداية طابعها المعماري التام وما يتلاءم ومفهوم المدينة…

فهي لم تكن مجرد قلعة عسكرية كما توهم لفي بروفنسال معتمدا في ذلك على كتابات ابن خلدون عندما أوضح بقوله: ((وجعل يوسف مدينة مراكش لعسكره وللتمرس بقبائل المصامدة[10]

ولقد أصاب دوفردان في تساؤله الاستنتاجي بقوله: ((لا شيء يمنع من تصور أو تخيل أن اختيار رجال أغمات ورجال أبي بكر موقع المدينة لم يكن يخلو من وازع داخلي))[11].

وعلى ضوء هذه المعطيات يمكن القول كخلاصة أولية أن مدينة مراكش في أفق تأسيسها لم تكن مجرد محطة للاستراحة كما أنها لم تؤسس في أفق سوق موسمي… وهذا ما جعل من عملية التأسيس تأخذ طابع المركز السياسي المستقل للدولة المرابطية، وأهلها لتشكل موقعا معماريا إشعاعيا جنوبا وشمالا وشرقا وغربا.

ملاحظة:

حاولنا أن لا نثقل الهوامش بالمصادر التاريخية حول نشأة مراكش، واكتفينا فقط بالحلل ونزهة المشتاق وبيان المغرب وحتى عندما تتكرر نفس المعلومات في هذه المصادر ذاتها.

telechargement

[1]  انظر مراكش فبير _ المدينة معناها وشروط قيامها _ ترجمة رضوان السيد _ الفكر العربي العدد 29 _ 1982 _ السنة الرابعة.

[2]  George burdeau l’etat col point éd seuil 1970 p.9 ترجمة إلى العربية د/ سليم حداد المؤسسة الجامعية 1987 ص 7.

[3]  الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية تحقيق د. سهيل زكار وعبد القادر زمامة _ دار الرشاد الحديثة 1979 ص 15

[4]  نفس المرجع السابق ص 15

[5]  نفس المرجع السابق ص 15

[6]  نفس المرجع السابق ص 15

[7]  Gaston Deverdun . Marrakech des origines à 1912 , Rabat 1959 .p. 45

[8]  الحلل الموشية ص 15

[9]  انظر البحث في هذا الكتاب للأستاذ احمد التوفيق.

[10]  ليفي روفنسال _ الإسلام في المغرب والأندلس Islam d’occident  بدون تاريخ ص 243

[11]  Gastan Deverdun . Marrakech des origines à1912, Rabat 1959 . p . 55

قدمت هذه الدراسة ورقة في أشغال الملتقى الأول ل: {مركز الدراسات والأبحاث حول مراكش} 
المنعقد سنة 1988 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش
تحت عنوان: {مراكش من التأسيس إلى آخر العصر الموحدي}
تنظيم:
لجنة مشكلة من: د حسن جلاب رئيس المركز / د عبد السلام الخرشي / د عبد الصمد بلكبير / د أحمد عمّالك ..
unnamed-3

وسوم :

مواد ذات صلة

المعارضة السياسة للعلماء في التاريخ المغربي

تاريخ النشر : 11/09/2017

عدد المشاهدات : 313

ليالي العامرية .. (1)

تاريخ النشر : 15/04/2017

عدد المشاهدات : 4194

إحياء مدرسة ابن يوسف بمراكش

تاريخ النشر : 25/01/2017

عدد المشاهدات : 139

من صمود بلعربي العلوي إلى صمود عبد الإله بن كيران

تاريخ النشر : 12/01/2017

عدد المشاهدات : 537

'