أنشطة وأخبار

المساجد ووظائفها بمراكش زمن المرابطين والموحدين

تاريخ النشر : 18/11/2016

عدد المشاهدات : 745


مؤسسة ابن تاشفين / دراسات مراكشية 8

 

المساجد ووظائفها بمراكش زمن المرابطين والموحدين

دراسة بقلم:

ذ. حامد التريكي / نيابة وزارة التربية الوطنية ـ مراكش

إعداد ونشر:

مؤسسة ابن تاشفين / اللجنة العلمية

 unnamed

إن التفتيش في مختلف المصادر التاريخية المعاصرة للدولتين المرابطية والموحدية أو القريبة من عهدهما؛ ليمكن من إحصاء ما يقرب من 24 مسجدا وجامعا شيدت بالعاصمة، مراكش.

وليس هذا يعني أن المدينة لم تكن تتوفر إلا على هذه المساجد في الفترة المحددة، وما من شك أن عدد المساجد آنذاك كان يفوق ما توصلنا إليه وإن كنا قد حاولنا قدر الإمكان أن يكون الجرد جردا تاما، على الأقل من المصادر المتوفرة حاليا، كما سنبين ذلك في الكشف اللاحق، متتبعين أسماء تلك المساجد ومواضعها ووظائفها وكذلك الأحداث الخاصة المقترنة بذكر أسمائها.

اعتمادا على الكشف المذكور، يمكن تصنيف هذه المساجد في مرحلة أولى تصنيفا زمنيا من جهة وتصنيفا جغرافيا حضريا من جهة ثانية.

أـ المساجد المرابطية:

يصعب إحصاؤها ما دام الموحدون قد أمروا، كما هو معروف، بتخريبها بعد دخولهم عنوة لمراكش سنة 1146م[1] ولم يسفر البحث إلا على إحصاء 4 مساجد نسبتها للمرابطين ثابتة.

وإن كنا نرجح أن عددا من المساجد الصغيرة المذكورة، على الخصوص في كتاب: التشوف إلى رجال التصوف[2]، والتي كانت موجودة في الجانب الشرقي من المدينة، قد يرجع عهد بناءها إلى زمن المرابطين أيضا، علما بأن هذه المساجد كانت مقرا للعباد والزهاد وأرباب المهن الذين عاشوا في الفترة الانتقالية بين الدولتين المرابطية والموحدية.

أما المساجد الأربع الثابتة نسبتها للفترة المرابطية فهي:

1 مسجد الطوب الذي شارك في بنائه يوسف بن تاشفين نفسه

2 ومسجد صومعة الطوب، ولا تحسم بأن الاسمان علما لمسجد واحد. والملاحظة التي تجلب الانتباه هنا تتعلق باستعمال الطوب في هذه الفترة لتشييد بناء عال مثل الصومعة، ويذكرنا هذا النمط في البناء بالهندسة الترابية التي تتميز بها قصبات الواحات في المناطق شبه الصحراوية جنوب المغرب، وبالتالي فإن لهذا الخبر أهمية بالغة لأنه يجعلنا نتصور استقراءا، صنفا من أصناف الهندسة المعمارية الشعبية بمراكش.

3 وهناك ذكر لمسجد مرابطي ثالث هو مسجد عرفة انفرد البيذق بذكره مقرونا باستقرار المهدي ابن تومرت به، وكأن المهدي قد اعتصم بهذا المسجد بعد المقابلة الصاخبة مع فقهاء، المرابطين[3].

4 أما جامع علي بن يوسف ويطلق عليه اسم جامع السقاية، فهو المسجد المرابطي الوحيد الذي كانت تقام به الجمعة، حسب المصادر المعتمدة، وقد أسفرت التقنيات الأثرية بمنطقته على اكتشاف السقاية المذكورة ومجاريها المائية[4].

وهذا الجامع من ضمن المساجد المرابطية التي أمر عبد المومن بن علي بتحطيمها.

والظاهر أنه لم يهدم بأكمله، وجد له ذكرا متكررا زمن الموحدين، سنة 548هـ (1154)م في غمار ثورة إخوان المهدي ابن تومرت على عبد المومن بن علي حيث كان من المقرر أن يجتمع المتآمرون داخله[5]، كما يذكر أيضا كمقر لاجتماع “الفقراء” (الصوفية) أثناء إحدى المجاعات قبل سنة 576هـ وذلك لتوزيع المواد الغذائية على المعوزين[6].

ويستدل من الخبرين على أن المسجد ربما يكون أصبح قفرا بسبب تخريبه الجزئي، وبالتالي مقرا لتجمعات سرية أو عمومية شعبية، حسب الحالات.

ب ـ المساجد الموحدية:

توصلنا بعد الجرد المذكور إلى إحصاء 18 مسجد من بينها ثلاثة تقام بها صلاة الجمعة وهي: جامع الكتبيين بشقيه الأول والثاني، جامع القصبة وجامع ابن يوسف آخر العهد الموحدي بعد ما أعاد بناءه الخليفة المرتضى سنة 654هـ (1256)م.

وأول مسجد موحدي بمنطقة مراكش هو المسجد الذي بناه عبد المومن بن علي في قمة جبل جيليز أثناء حصاره لمراكش سنة 1146م[7].

ويبدو أن وظيفته إلى جانب الوظيفة الدينية، كانت استراتيجية كما يستدل على الأمر من عبارة صاحب الحلل الموشية: “وهو (جيليز) جبل صغير بنى عليه مدينة وبنى فيها مسجدا وصومعة طويلة يشرف منها على مراكش”[8].

وإذا كانت المساجد الموحدية الكبرى مثل مسجد الكتبيين ومسجد القصبة قد استأثرت باهتمام المنقبين الأثريين والباحثين المهتمين بتاريخ الهندسة المعمارية وفنونها[9] من العشرينات إلى الخمسينات، من هذا القرن، فإن معظم المساجد الموحدية الموجودة على الخصوص بالأحياء السكنية الشعبية ما زالت بحاجة إلى البحث في تاريخها وموقعها وهيئتها الهندسية، علما بأن في أطروحة الأستاذ كاسطون دوفردان[10] إشارات لبعضها وإن تعاليق الأستاذ أحمد التوفيق على كتاب التشوف الآنف الذكر تقدم حلولا تاريخية وشروحا لغوية في غاية الإفادة فيما يتعلق بأسماء المساجد المذكورة في هذا الكتاب وبمواطنها.

التصنيف الجغرافي والوظيفي:

بغض النظر عن التصنيف بحسب الأهمية وارتباط ذلك بوظيفة أساسية هي إقامة صلاة الجماعة يمكن أن نصنف هذه المساجد:

  • حسب التوزيع الجغرافي داخل المدينة باعتبار الأحياء والأزقة والنشاط الاقتصادي والصناعي السائد بها… وهذا تصنيف من شأنه أن يلقي أضواء مفيدة على المدينة من حيث النمو العمراني كما يفيد أيضا في البحث عن محاور المدينة، إن كانت متعددة، وعن الروابط بين المسجد، الحومة، الهيئة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي أو المهني أو الثقافي.
  • حسب الوظائف السائدة في مسجد ما: وعظ، إقراء، ذكر، الخ… دون إغفال الوظائف الاقتصادية داخل المسجد[11] وكذا الأنشطة ذات الصبغة السياسية، كما سنقف على ذلك فيما بعد.
  • التصنيف الجغرافي: بناء على الجرد المقدم أعلاه، وتسهيلا لعملية توطين المساجد توطينا عاما داخل الحومة أو الجهة، قسمنا المدينة إلى خمس مناطق توجد داخلها مجموعة من المساجد وهي:

1 – منطقة الكتبيين:

سبقت الإشارة إلى أن مسجد الطوب ـ وهو أول مسجد بمراكش ـ قد يوجد بهذه المنطقة باعتبارها النواة الأولى للمدينة وأن يوسف ابن تاشفين ـ بعد أبي بكر بن عمر ـ اهتم بهذه المنطقة كما يدل على ذلك إتمامه لقصر الحجر.

ومعلوم أن المساجد في نطاق الحكم الإسلامي، كانت تشيد قرب مقر الحكم.

وقد أقيمت في نفس المنطقة ثلاث مساجد أو على الأقل مسجدان أولهما، حسب الحلل الموشية، بناه عبد المومن بن علي قبل بناءه للكتبيين، والثاني هو مسجد الكتبيين من إنشاء عبد المومن أيضا، والثالث هو المعروف “بالكتبية الثانية” شرع في بناءه عبد المومن وأتمه ابنه يوسف كما في الاستبصار، “ثم زاد (عبد المومن) فيه مثله أو أكثر في قبلته، كان قصرا ورفع بينهما المنار العظيم الذي لم يشيد في الإسلام مثله، وأكمله ابنه وخليفته أبو يعقوب”[12].

والملاحظ أن هذا التوسيع الهائل لجامع الكتبيين يعكس لا محالة التوسع العمراني لمراكش في هذه الفترة التي استقبلت أثناءها العاصمة عددا كبيرا من قبائل المصامدة المنضوية تحت شعار العقيدة الموحدية[13].

2ـ المنطقة الشرقية:

أو “الجانب الشرقي” على حد تعبير كتاب التشوف وكتب المناقب عموما.

وتنص المصادر المختلفة على وجود 5 مساجد على الأقل بهذه المنطقة.

ولها ذكر متكرر في التشوف على الخصوص.

وهذه المساجد تبدو من خلال النصوص صغيرة المساحة غير أن روادها عديدون من الفقراء والزهاد والصوفية.

والمنطقة كانت ـ كما هو شأنها اليوم أيضا ـ مجالا لأرباب المهن مثل الدباغة والخزف والمختصين في الآبار والخطارات ومواد البناء إلخ… ويشكلون وسطا اجتماعيا خصبا للتوعية الدينية التي كان يقوم بها الصوفية في مثل هذه البيئة، بل إن عددا من هؤلاء كانوا يمتهنون الحرف كما تدل على ذلك ألقاب بعضهم ونذكر على سبيل المثال أن الطلبة من المصامدة كانوا يقرأون القرآن وعلم التجويد على إمام مسجد بئر الجنة وهو من الصلحاء المترجم عنهم في التشوف[14] كما تجدر الإشارة إلى أن للنساء دورا ملحوظا داخل هذه المساجد بحيث سمى إحداها بمسجد العابدات[15].

3ـ منطقة وسط المدينة:

محورها الرئيسي، مسجد علي بن يوسف وهو أكبر مسجد بناه المرابطون إطلاقا، بالمقارنة مع مسجد تلمسان والقرويين بعد توسيعه من طرفهم وقد أجريت تنقيبات أثرية جزئية أسفرت على إبراز قاعدة صومعته[16].

وسمحت بالإدلاء باحتمالات حول المساحة ومواد البناء والتصميم.

فأدى الكل إلى اعتبار مساحة  المسجد المرابطي أكبر بكثير من مساحة المسجد الحالي الذي حل مكانه.

وهناك مساجد نصنفها تجاوزا ضمن هذه المنطقة الوسطى وإن كان بعضها يوجد بين حومتي الموقف والسبنيين، وذلك ريتما تسمح المصادر ـ إن وجدت ـ بتوطينها بدقة أكبر.

من بين هذه المساجد: مسجد سعدون ولعله بحومة المواسين، مسجد الوصيف ويحتمل وجوده بحومة الموقف ومسجد حمام الحرة (ولعلها عزونة المرينية التي ينسب لها درب للا غزوانة؟)، وأخيرا مسجد الصحراوي ولعله بحومة القصور أو بقاعة بن ناهض؟

4 ـ منطقة غرب المدينة:

ورد في كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي[17] ذكر لمسجد بباب دكالة زمن يعقوب المنصور كان الفقيه النحوي الشهير أبو موسى عيسى يللبخت ( وهو من ضمن صلحاء التشوف) يدرس به، والظاهر أن المسجد لم يكن واسعا لأن الأستاذ قد اضطر لنقل حلقة دروسه لمسجد أكبر هو مسجد ابن الأبكم بحومة باب أغمات، وذلك نظرا لتزايد عدد الطلبة، غير أننا لا نستبعد أن يكون الفقيه الصوفي يللبخت قد أوحى إليه من طرف الجهاز الحاكم بنقل حلقة دروسه وذلك لإشارات وردت في سياق رواية صاحب الذيل لهذا الحدث.

ومهما يكن الأمر، فيستنتج من الحكاية أن الحومتان ـ باب دكالة وباب أغمات ـ كانتا آهلتين بالسكان وأن حومة باب أغمات تبدو أكثر تأهلا من باب دكالة في هذا الوقت.

5 ـ منطقة القصبة وما حولها:

محورها الرئيسي بالطبع هو جامع القصبة من بناء يوسف بن عبد المومن وإتمام ابنه يعقوب ويسمى أيضا جامع القصر وجامع المنصور الخ…

وكان مقرا للخطاب الرسمي الموحدي وبه كانت تعقد البيعة للخلفاء وتقام مجالس للوعظ أيام الاثنين والخميس والجمعة[18].

ولعل من بين هذه المجالس ما كان بمثابة الوظيفة الرسمية، بينما يستشف من وراء مجالس أخرى للوعظ نفس آخر، خاص، قد يكون رد فعل لبوعظ الرسمي، كما يبدو ذلك من خلال ترجمة أبي عبد الله الواعظ (المتوفى سنة 614) الذي “كان سكناه مراكش باستدعاء المنصور من بني عبد المومن اياه لذلك … ولم يكن يدخر من عطاياهم (المنصور والناصر والمستنصر) قليلا ولا كثيرا..”[19]. وكان له مجلس وعظ بمسجد القصبة.

unnamed-1

أما المساجد الأخرى المندرجة في نطاق القصبة فإنها تبدو لنا، تخمينا وكأنها في حومة سيدي ميمون وما جاورها في اتجاه جامع الفناء ومن بين هذه المساجد: مسجد التواركة، هرغة والقشاشين وإن كنا على شبه يقين من أن هذا المسجد الأخير لا يبعد كثيرا عن منطقة “قصيبة النحاس” لارتباطه المباشر بالقصبة بواسطة أحد أبوابها الشمالية.

unnamed

unnamed-2

تنوع الوظائف والأنشطة داخل المساجد:

لقد كانت المساجد منذ بداية الإسلام مقرا لوظائف وأنشطة عديدة ومتنوعة، وذلك بناء على ما تقره الشريعة وعلى ما سنه اجتهاد الفقهاء عبر التاريخ، تلاؤما مع ظروف العصر[20]؛

فبالمسجد كانت تعقد مجالس الشورى بين المسلمين وتعلن بيعة الإمام، ويخزن بيت المال وتقام حلقات الدروس والقصص والأندية الأدبية بحيث خصصت قبة للشعراء بجامع المدينة وجامع المنصور ببغداد[21].

وهناك أنشطة خاصة، ذات صبغة اجتماعية أو اقتصادية، هي بعيدة كل البعد عن الوظائف الدينية والثقافية المتوقع إقامتها داخل المساجد.

ونجد لتلك أصداء عديدة في كتب النوازل ومعيار الونشريسي على الخصوص[22].

من ضمن تلك الأنشطة: المبيت بالمساجد، الفصد والحجامة، سؤال المسكين الصدقة، اتخاذ المسجد طريقا، حلب الأنعام بفناء المسجد، الدفن، إلى غير ذلك من المسائل التي كان على الفقيه أن يجد لها حلا يأخذ بعين الاعتبار في آن واحد النص الشرعي والمصلحة العامة.

فوظيفة المسجد لم تنحصر إذن في إقامة الصلاة كما ينص على ذلك حديث شريف[23]، وإنما استغل مجال المسجد استغلال مذهبيا وسياسيا واجتماعيا.

ويهمنا أن نستعرض هنا بعض الأحداث التي كانت مساجد مراكش مسرحا لها زمن المرابطين والموحدين؛ وذلك من خلال الوقائع المسجلة في المصادر التاريخية كما يهمنا أن نتعرف ما أمكن على انعكاسات تلك الأحداث وردود الفعل التي أثارتها سواء بالنسبة للرأي الخاص أو الرأي العام من جهة، أو بالنسبة للبنية الهندسية للمسجد وللتجهيزات التي أضيفت إليه على ضوء تلك الأحداث، من جهة أخرى.

ولا بأس بالتذكير في البداية بأن كتاب الإحياء للغزالي “أحرق في صحن جامع السلطان”[24].

وأن المجابهة بين ابن تومرت والفقهاء قد تمت بأمر من علي بن يوسف في أحد مساجد مراكش كما سبقت الإشارة إلى أن المهدي ابن تومرت التجأ إلى مسجد عرفة وكأنه اعتصم به بعد المجابهة المذكورة.

أما بالنسبة للأندلس، وفي نفس الحقبة الزمنية، فيخبرنا مؤلف البيان[25] أن قاضي قرطبة اغتيل بجامع المدينة سنة 529 بمحضر الأمير تاشفين.

وفيما يتعلق بهذا الأمير نفسه فقد تم فرضه على أبيه كولي للعهد بجامع بن يوسف: “فلما اجتمع الناس في المسجد الجامع الكبير بمراكش… خاصة وعامة وتشاوروا في من يختارون ومن عليه يجتمعون فقالوا كلهم بصوت واحد تاشفين تاشفين”[26].

وفي المسجد ذاته كان من المقرر أن يجتمع أخوي المهدي ابن تومرت[27] مع أصحابهم لتدبير المؤامرة ضد عبد المؤمن بن علي سنة 548.

إضافة إلى هذه الأحداث فإن مساجد مراكش زمن الموحدين أصبحت عبارة عن منصة رسمية يلقن فيها المذهب التومرتي وتشرح مؤلفات المهدي ويقتل تارك قراءتها مع “لزوم حضور الحزب بعد صلاة الصبح…”[28]

وفي موضوع المهدي والمهدوية الموحدية، يظهر أن الاعتقاد في ظهور المسيح بمسجد من المساجد كان مقبولا.

وقد أنشدته القصيدة التالية بين يدي عبد المومن بن علي:

وينزل عيسى فيهم أميرهم            إمام فيدعوهم المحراب مسجد

يصل بهم ذاك الأمير صلاتهم        بتقديم عيسى المصطفى عن تعمد..[29]

وكما استعملت المساجد لنشر الدعوة الموحدية؛ فإنها استعملت أيضا لنقضها وذلك من طرف المامون، وللتراجع في الأمر من قبل خليفته الرشيد.

ونسجل أخير بأن المساجد كانت المجال الأقرب لعامة الناس للاتصال المباشر بالأمير وإبداء الشكوى لرفع المظالم بطريقة تشبه أحيانا الاحتجاج الجماعي[30] بينما كان الصوفية وأتباعهم يتخذون المساجد مكانا لتوزيع المؤونة على المعوزين أيام المجاعات[31].

ولم يكن لأصحاب الحل والعقد وأهل الرأي ـ والحالة هذه ـ أن يتركوا المساجد مفتوحة لكل هذه الأنشطة، محمودة كانت أو مذمومة، دون السهر على مراقبة ما يجري بها، إما للحفاظ على حرمة المسجد، أو للدفاع عن المصلحة العامة أو للمحافظة على كيان الدولة.

فجزئت المسائل إلى ما يجوز عمله وما لا يجوز عمله داخل المسجد[32].

فالفصادة والحجامة مثلا جائزان بشرط التحرز من تلويت المسجد، وسؤال المسكين الصدقة جائز على ” أن يسأل للمساكين لا أن يسألوا بأنفسهم”[33] والمبيت بالمسجد جائز للشيخ الضعيف والمريض إلخ …، بينما يمنع “حلب الأنعام بفناء المسجد لتنزيلها وضرر غبارها …”[34].

وأجاز ابن عرفة اتخاذ المساجد طريقا[35] فاحتفظ للمسجد بوظيفته البنيوية الحضرية، كما سهر الفقهاء أيضا على المحافظة على الوظيفيتين القضائية والعملية فكانت أبواب المسجد تسد في النهار ويترك مفتوحا “الباب الذي يدرس عنده العلم والباب الذي يقضي القاضي عنده”[36].

وإذا كان مبدأ الإقرار بالجامع مقبول ومرغوب فيه، فإن لذلك شروط منها اجتناب رفع الأصوات لأنه “ناشء عن بدعة الجدال في الدين”[37].

كما أن هناك قراءات جائزة وأخرى ممنوعة. فمن الجائز، الحساب وإعراب الأشعار الستة كما في المعيار، ومن الممنوع المقامات “لما فيها من الكذب” (الشاطبي) بينما يسمح للقصاصين رواية قصص الأنبياء  والسيرة الخ .. ويزيد موقف الفقهاء تحفظا ورقابة بالنسبة للوعاظ والمتكلمين فلا يؤذن لهم “إلا لمن يرضا عمله ودينه بعد أن يؤذن له … وتقطع منه مجالس اللغو والحديث في أمور الدنيا”[38].

وقد رأينا فيما سبق تنظيم مجالس الوعظ الرسمي بجامع القصبة الموحدية وكيف تم إشخاص أحدهم لهذا الغرض موقفه من الأمر.

ونظرا لخطورة الوقائع التي كانت تحدث في المساجد والمجابهات العنيفة التي أدت أحيانا إلى سفك الدماء داخله، فإن أولياء الأمر لم يقفوا عند حد المراقبة المستمرة ومنع كل ما من شأنه أن يثير هيجان العامة.

بل تعدوا ذلك إلى اتخاذ تدابير وقائية مادية ظهرت على الخصوص زمن الموحدين وانعكست أحيانا على تصميم المسجد وأحيانا أخرى على التجهيزات الأساسية به؛ فمن ذلك تعدد الأروقة والصحون في جامع القصبة بمراكش، وجدير بالذكر أن هذا الجامع ينفرد بذلك.

أما جامع الكتبيين فقد اتخذ فيه عبد المؤمن بن علي جملة من الاحتياطات الأمنية ترمي ـ على ما يظهر ـ إلى حماية شخص الخليفة. من بين هذه التجهيزات، بناء الساباط الذي “يدخل من القصر إليه ومنه إلى الجامع، لا يطلع عليه أحد”[39].

وقد عثر على ساباط آخر يربط مسجد القصبة بالقصر الموحدي[40].

ومن ذلك أيضا إنشاء المقصورات؛ ومعلوم أن المقصورة ظهرت بالشرق، بالمدينة، بعد مقتل عثمان، وقد اتخذها الموحدون بمراكش في كل من جامعي القصبة والكتبية. ولا ندري أمن قبيل الوهم الشعري أم التلميح الأدبي تلك الأبيات التي صدرت عن الشاعر في وصف المقصورة المومنية.

طورا تكون بمن حوته محيطه         …       فكأنها سور من الأسوار

أما هذه المقصورة، فإنها قد أصبحت حقيقة لا غبار عليها بعد ما كشفت التقنيات الأثرية بمنطقة الكتبية[41]  الستار عن الغرفة التي كانت بها الأجهزة المحركة لها، فلم تبق كما قال نفس الشاعر سرا من الأسرار.

وينتهي بنا المطاف بالرجوع إلى انعكاسات أخرى، عمرانية، لها صلة بالتوزيع الجغرافي للمساجد.

فنستخلص من ذلك التوزيع داخل المدينة أن مراكش قد عرفت نموا عمرانيا أكيدا بين عهدي المرابطين والموحدين، وأن هذا النمو يهم هوامش المدينة بقدر ما يهم قلبها. فإلى جانب الأحياء المتمحورة حول جامع ابن يوسف ومن بينها قاعة بن ناهض وزاوية لحضر والموقف والسبتيين، نجد الأحياء الموجودة قرب أبواب المدينة في نمو مطرد كذلك، يعكسه ظهور مساجد متعددة وإن كانت متفاوتة الأهمية.

من بين هذه الأحياء: باب الدباغ، باب أيلان، باب فاس (باب الخميس حاليا)، باب أغمات، باب دكالة وتظهر لنا الحركة العمرانية جد كثيفة في الجانب الشرقي من المدينة بين باب فاس شمالا وباب أغمات جنوبا.

وهذه الحركة تهم مجالات وأنشطة متنوعة دينية، ثقافية، تجارية وصناعية، كما تستقطب نفس المنطقة الشرقية عناصر من الصوفية من مختلف جهات الغرب الإسلامي، من المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس، فيستقرون بها، في غالب الأحيان، استقرارا نهائيا.

ويكفي إلقاء نظرة على مادة الجانب الشرقي من فهرست التشوف للمس حقيقة تواجد هذه المنطقة تواجدا كثيفا على الصعيد العمراني.

ونخرج بنفس الارتسام بالنسبة للمناطق المجاورة للقصبة الموحدية، بغض النظر عن القصبة نفسها وقد أصبحت عبارة عن مدينة مستقلة وقائمة بذاتها بجامعها وأسواقها وقيساريتها ومدارسها وقصورها الخ … فتبدو لنا مناطق سيدي ميمون وباب أكناو وموقع الملاح الحالي في اتجاه رياض الزيتون الخ … وكأنها الأحياء السكنية الغنية بسواقيها وحماماتها وفنادقها ومنازل أرباب الدولة وأعوانها.

كما أن هذه الأحياء لا تخلو من تحركات ذات صبغة سياسية تكون المساجد بها أحيانا مقرا للمناورات واصطدام بين الأحزاب والكتل القبلية المتصارعة فيما بينها على الحكم، خاصة في العقود الأولى من القرن 13م أثناء ضعف الحكم الموحدي.

وفي البيان المغرب لابن عذاري والذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي والروض المعطار للحميري تفاصيل أحداث ترتقي بنا من الارتسام العام إلى ما يشبه الحقيقة التاريخية.

وعلى العكس من هذا فإن حومة الكتبيين تظهر لنا وكأنها جامدة بعد أن تقرر نقل ” دار المخزن” منها إلى القصبة أيام أبي يعقوب، وكأن المنطقة لم ترق إلى درجة الحي الآهل بالسكان على الرغم من اهتمام الخليفة الموحدي المرتضى الذي رصف ممراتها ومن وجود عدد كبير من دكاكين الكتبيين والنساخين والوراقين بجوارها.

فتبدو لنا الكتبية منعزلة في سموها وكأنها تنبذ التكاثر حولها، ولا عجب، ما دام الموحدون قد قرروا تطهير العاصمة المرابطية بدءا بمنطقة الكتبية حيث شيدوا جامعهم الأول؛ فنبذ الجامع السكان بدوره، وللتاريخ منطقه.

11032006_1485729685050347_9205475786253810227_n

[1]  البيذق: أخبار المهدي، ص 66. طبعة دار المنصور ـ الرباط 1971.

[2]  الطبعة الثانية، تحقيق الأستاذ أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب ـ الرباط 1984.

وقد استفدنا كثيرا من تحقيقاته الدقيقة في هذا المجال. ويرجع في هذا الباب للفهارس تحت كلمات: جامع، مسجد، مراكش…

[3]  البيذق، نفس المصدر، ص 27.

[4]  MEUNIE NOUVELLES RECHERCHES ARCHEOLOGIQUES A MQRRAKECH PARIS 1957.

[5]  ابن عذاري: البيان، الجزء الموحدي ص 50. تطوان 1960.

[6]  التشوف.. رقم 99.

[7]  الحلل الموشية، طبعة علوش، ص 113، الرباط 1936. وهناك ذكر لمسجد موحدي آخر يحمل نفس الإسم إلا أنه بمنطقة جليو في قبيلة هرغة بالسوس، نشير إليه لرفع الالتباس الممكن بينه وبين مسجد جليز بمراكش. وقد زاره عبد المومن بن علي أثناء رحلة لسوس سنة 552هـ. كما في الرساة الموحدية رقم 17، ص 86، نشر ليفي بروفونسال، الرباط 1941 “مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة الؤمنية”.

[8]  نفس المرجع والصفحة.

[9]  أهم المراجع في هذا المجال هي:

-H. BASSET ET H. TERRASSE SANCTUAIRES ET FORTRESSES ALMOHADES , COLLECTION HESPYRIS NO V 1932 PARIS

-J. MEUNIE RECHERGHES ARCHEOLOGIQUES A MQRRQKECH. PARIS 1952.

-H. TERRASSE L’ART HISPANO-MAURESQUE DES ORIGINES AU XII SIECLE PARIS 1932 TOME II

[10] GATON DEVERDUN : MARRAKECH DES ORIGINES A. 1912 TOME I.P.276.RABAT 1959.

[11]  فضلا عن كتب النوازل الفقهية وعلى رأسها: المعيار للنوشريسي الذي يثبت ضمنيا حالات عديدة تهم الأنشطة الاقتصادية، يرجع أيضا لكتاب: ذكر ما تقتضيه المصلحة الدينية والإيالة الشرعية من رتبة شعائر الإسلام في مسجد الجماعات، لعلي بن محمد شكريان الأندلسي (منتصف القرن 13 ميلادي) نشر الأستاذة، حليمة فرحات مجلة: هسبريس سنة 1986. ويهم الأمر هنا بصفة خاصة المسجد الجامع بسبتة.

[12]  الاستبصار في عجائب الأمصار، لمؤلف مجهول الإسم ص 209. تحقيق سعد زغلول عبد الحميد ـ طبعة الدار البيضاء 1985.

[13]  نحيل هنا على أطروحة G. DEVERDUN : MARRAKECH DES ORIGINES A 1912 CHAPITRE. LA METROPOLE ALMOHADE.

أما بالنسبة لتصميم الكتبية الثانية ومساحتها وما كشفت عنه التقنيات الأثرية، فالمرجع الأساسي يبقى: J. MEUNIE: RECHERCHES ARCHEOLOGIQUES A MARRAKECHE FOUILLES AUX ABORDS DE LA KOUTOUBIA P. 33 – 61.

[14]  التشوف رقم 151 ورقم 228.

[15]   التشوف ص 238 والتعليق رقم 578.

[16]  G. DEVERDUN : OP.CIT. TOME I P. 98 ET DU MEME AUTAURE EN COLABORATION AVEC CH. ALLAIN , IN HESPERIS , 1959 ; (RéSULTATS DFS PROSPECTIONS AUTAUR D,IBN YOUSSEF).

[17]  الذبل، الجزء 8 ص 249.

[18]  التشوف رقم 268 والذيل … الجزء 8 ص 266-268.

[19]  الذيل … نفس الجزء والصفحة.

[20]  بالنسبة لهذه الوظائف، يرجع أساسا ل: encyclopedie de l’islam . article masjid

[21]  علي هاشم محمد: الأندية الأدبية في العصر العباسي في العراق، ص 187 و196 ـ بيروت 1982.

[22]  المعيار المعرب لأبي العباس أحمد الونشريسي، نشر وزارة الأوقاف، الرباط 1981، الجزء الثالث خصوصا.

[23]  “إنما بنيت المساجد لما بنيت له…” وقد ورد هذا الحديث في كتاب “ذكر ما تقتضيه المصلحة الدينية…” المحال عليه أعلاه في التعليف رقم 11.

[24]  التشوق، رقم 33.

[25]  البيان، الجزء 4 طبعة بيروت 1980 ص 93.

[26]  نفس المصدر، ص 98.

[27]  نفس المصدر، ص50.

[28]  الشاطبي: الاعتصام، جزء2، ص 91، نشر رشيد رضا. بدون تاريخ. والرسالة الموحدية رقم 23 المعروفة برسالة الفصول والمؤرخة سنة 556 التي تقنن العقوبات في المجال المذكور.

[29]  عبد الواحد المراكشي، المعجب، ص 280.

[30]  ابن صاحب الصلاة: المن بالإمامة.. ص420 الطبعة الأولى، تحقيق عبد الهادي التازي، بيروت 1964: “وبعد فراغ الفريضة، صاح الناس بالجامع بظلاماتهم… فانصرف (يوسف الموحدي) بعد الدعاء وقد أمر بكتب مسائلهم… وأمر القاضي بتطلع أحوال المسجونين وإنصاف المظلومين”.

[31]  التشوف رقم 99 وذلك بمسجد ابن يوسف.

[32]  المعيار … الجزء الثالث ص 23-24.

[33]  نفس المرجع، الجزء الأول، ص 147.

[34]  نفس المرجع، الجزء الثالث، ص 23-24.

[35]  نفس المرجع.

[36] كتاب “ذكر ما تقتضيه المصلحة الدينية …” الآنف الذكر.

[37]  الشاطبي، الاعتصام، جزء 2 ص 92.

[38]  “ذكر ما تقتضيه المصلحة الدينية …” المتكرر الذكر.

[39]  الحلل الموشية، ص 119.

[40]  G. deverdun : marrakech… p 237.

[41]  J. meunie-recherches archeologiques a marrakech. P 33-61.

قدمت هذه الدراسة ورقة في أشغال الملتقى الأول ل: {مركز الدراسات والأبحاث حول مراكش} 
المنعقد سنة 1988 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش
تحت عنوان: {مراكش من التأسيس إلى آخر العصر الموحدي}
تنظيم:
لجنة مشكلة من: د حسن جلاب رئيس المركز / د عبد السلام الخرشي / د عبد الصمد بلكبير / د أحمد عمّالك ..
unnamed-3

وسوم :

مواد ذات صلة

المعارضة السياسة للعلماء في التاريخ المغربي

تاريخ النشر : 11/09/2017

عدد المشاهدات : 313

ليالي العامرية .. (1)

تاريخ النشر : 15/04/2017

عدد المشاهدات : 4194

إحياء مدرسة ابن يوسف بمراكش

تاريخ النشر : 25/01/2017

عدد المشاهدات : 139

من صمود بلعربي العلوي إلى صمود عبد الإله بن كيران

تاريخ النشر : 12/01/2017

عدد المشاهدات : 537

'