أنشطة وأخبار

لمحة عن علاقة الدولتين المغربية والتركية

تاريخ النشر : 15/07/2020

عدد المشاهدات : 581


لمحة عن علاقة الدولتين المغربية والتركية

إبان حكم السلطان عبد الحميد الثاني والسلطان الحسن الأول

مقتطف من كتاب:

تاريخ العلاقات المغربية العثمانية

تأليف: الأستاذ حماد القباج

(مدير مركز بلعربي العلوي للدراسات التاريخية)

… لم تمر سنة على تولي السلطان عبد الحميد للخلافة؛ حتى بادر إلى مراسلة السلطان مولاي الحسن بواسطة شيخ الإسلام العثماني لتذكيره بواجب الوحدة الإسلامية وضرورة التعاون لمواجهة أطماع الإمبريالية؛

قال مؤرخ الدولة العلوية عبد الرحمن ابن زيدان العلوي:

“في سنة أربع وتسعين ومئتين وألف (1294 هـ / 1877 م) ورد على الوزير (المغربي) موسى بن أحمد؛ كتاب سياسي من شيخ الإسلام بتركيا والمفتي بها (حسن خير الله)، وجهه مع سيدي إبراهيم السنوسي؛ هذا نصه:

“بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي وأسلم على نبيه الهادي إلى سواء السبيل المستقيم.

أما والذي أولاك الرأي المستقيم، والفكر المصيب القويم، وولاك الوزارة التي إذا حملق النجيد، وصلصل الحديد، وبلغت الأنفس الوريد، اعتصم بحقويها[1] من في الممالك المغربية من الأبطال الصارخة، اعتصام الوعول بذرى القلال الشامخة، وذادت عنهم كماة الرجال، ذود العوازم عن الأشوال[*57]، وصارت بها عصمة من الهوالك، إذا شبهت الأعجاز بالحوارك، وأفريت أديم كل كمي احتقارا له بالإزميل، وخبطت البهم خبط السرحان نقد الغنم الذليل، وحفظت كلام الحجاج، وأطفأت نار الهياج، إذا غصت الأفواه، وذبلت الشفاه، فما استللت سيفك منذ حزتها إلا أغمدته في جثمان بطل، أو شق أمت جمل،  فكنت للشانئين الزعاف الممقر، والليث المحرر، قد انقطع لسان قلمي عن تحرير مزاياك، وقصر فكري عن النظر إلى صور فضائلك المصورة في مراياك، فلويت زمام يراعي إلى المطلوب، عجزا عن ذلك الوصف المرغوب.

أما بعد؛ إهداء السلام المقرون بالتكريم والتبجيل، والتحية المحفوفة بالتجليل، فالذي أعلم به الوزير الأعظم، والمشير الأفخم، صاحب السيف والقلم، المشهور بالرأي الأتم، الذي طرز بساط السلطنة المغربية بطراز تدابيره المصيبة، وأظهر عن عدل مولاه بحسن سيرته الخالصة عن كل معيبة، أعني به حضرة السيد موسى نجل المرحوم السيد أحمد، وفقه الله تعالى إلى ما يكون موجبا في الدارين لأن يحمد؛ هو أنه من المفهوم بديهة لدى كل ذي رأي صحيح، ومن المعلوم ضرورة بحيث لا يحتاج إلى نظر في التوضيح، أن مدار قوة الأمة المحمدية، وصولتها على سائر الملل الردية، إنما هو اتحاد جميع أفرادها الموجودة في كرة الأرض، وتشابك الأيدي منها بالقبض، ولاسيما عند تعاضد المشركين، وقوة أعداء الدين، كما نشاهد وتسمعونه مما لهم في هذا الزمان من الصولة الباهرة، والجولة والشدة القاهرة، المؤدية بحسب المآل إلى الفتك بجميع ما للأمة المحمدية من الأفراد، وإن كانوا في أقصى البلاد.

فبناء على هذا قد تجاسرت على الاستيذان من الولي العارف بالله، والمتوجه بكله إلى طاعة مولاه، السلطان الأعظم، والخاقان الأجل المحترم، وارث الخلافة الكبرى عن آبائه الخلفاء بالاستحقاق، أمير المؤمنين بالاتفاق، مولانا وإمامنا إمام المسلمين السلطان عبد الحميد خان ابن المرحوم المبرور الغازي السلطان عبد المجيد خان، نصره الرحمن، وأيد جنوده وحزبه أينما كان، آمين؛

بتحريري إلى حضرتكم ما يورث التواصل بيننا وبينكم، ويقتضي الاتحاد الحقيقي معكم، كما كان التواصل بين جد سلطاننا المشار إليه بالقلم والبنان، وبين والد سلطانكم الشريف المعظم الشان، اقتداء بجانبه العالي، الذي هو عن شوائب النقص الخالي، من حيث الرسل مالكة الوداد، إلى سلطانكم المعظم الموجبة الاتحاد.

هذا والمأمول من شيمكم الدينية، وغيرتكم المقرونة بصلابة الحمية، بعد وصول ألوية الإخلاص، ومالكة المحبة والاختصاص، أن تعرضوا مضمونها إلى أسكفة السلطان الشريف المعظم، صاحب المفاخر الهاشمية والشرف المكرم، من ورث المجد والسلطنة والمعالي عن آبائه السلاطين العظام، وحاز علو الشأن والمقام، سلطان الممالك المغربية، صانها الله تعالى عن كل مصيبة وبلية، سيدنا السلطان حسن، وفقه الله تعالى إلى كل أمر حسن، وأدام سلطنته وخلد ملكه آمين.

وعليكم السلام في المبدأ والختام.

في غرة شهر ربيع الأول الأنور، سنة أربع وتسعين ومئتين وألف 1294.

شيخ الإسلام ومفتي الأنام، بممالك الدولة العالية العثمانية، حميت عن الآفات والبلية، السيد حسن خير الله، عفا عنه مولاه”اهـ.[2]

وفي السنة نفسها (1294 هـ/ 1877 م)؛ أجابه السلطان الحسن الأول برسالة تضمنت الإشارة إلى الأغراض التي يدور عليها محور كتاب شيخ الإسلام المار الذكر، كما تضمنت تهنئة السلطان المذكور باستقراره على عرش آل عثمان؛ وهذا نصها:

“الحمد لله الذي مكن في الأرض من اختاره من عباده المهتدين،وأنفذ حكمهم في البسيطة ليعلي بعدلهم مار الدين، وينكس بصارمهم المسلول بالحق أعلام الكفرة المعتدين، نحمد سبحانه على أن جعل منا خلفاء يهدون بالحق وبه يعدلون، وصير زمام الشريعة المطهرة بيد أوليائه الذين حفظوا نهاج السنة فلا يغيرون لها رسما ولا يبدلون، نصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي هدى من الضلالة، وعلم من الجهالة، وقام للحق بالحق، وقال قوله الحق: [لاتزال طائفة من أمتي قائمة عل الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون]، وعلى خليفته سيدنا أبي بكر الصديق صاحبه في الغار، ورفيقه في الأسفار، وسيدنا عمر بن الخطاب الفاروق بين الحق والباطل، وفاتح الحصون والمعاقل، وسيدنا عثمان ذي النورين الذي صبر في الله ورضي بما قضاه، وابن عمه مولانا علي بن أبي طالب، ليث الكتائب، مبيد أهل الضلال، الزاهد في الدنيا والمال، الثابت في ذات الله حتى لقيه غير مخذول ولا مفتون، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، أمان الدنيا والدين، فما داموا فينا ونحن آمنون، وعلى جميع أصحابه القادة الهداة الأبرار، وأتباعهم وأتباع أتباعهم المتمسكين بالآثار، الذين أدوها إلينا سمحاء نقية لم يدنسها بزخارفهم المبتدعون.

 ونهدي أزكى تحية سنية، تملأ سوق الآذان نفحاتها المسكية الندية، وتبث في الوجود أرواحها الخزامية الرندية، لتلك السدة العلية الشريفة، والحضرة الإمامية المنيفة، حضرة أخينا في الله الخاقان المظفر الهمام، المتوكل على الله المجاهد في سبيل الله المقدم بالجد والاجتهاد على ملوك الأنام، حامي حمى بيضة الإسلام والضارب دونها بيض الطلا وسود السهام، وارث كرسي الخلافة العظمى عن آبائه الكرام أعلام الأعلام.

بدور سماء كلما انقض كوكب   …     بدا قمر تأتي إليه الكواكب

حائز منصبها بالفرض والتعصيب[3]، والضارب بين ملوكها العظام بالسهم المصيب، واسطة العقد ودرة التيجان، ونتيجة مجد آل عثمان، المشيرة جميع الأكوان إلى مفاخرهم بالأكف والبنان، البينات آيات فتحهم في كل زمان، أخينا السلطان المعظم المفخم عبد الحميد خان، ابن المقدس المنعم عبد المجيد خان، سلطان الممالك العثمانية، المؤيد بالفتوحات الربانية، حباه الله النصر المؤزر المتين، وفتح له في أعداء دينه الفتح المبين.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أما بعد فإنا نحمد إليكم الله الذي وسعت الكائنات نعمته، وشملهم فضله ورحمته، ونسأله لنا ولكم مزيد العناية والتأييد، والحفظ واللطف مع التأبيد، وأن ينصر بكم دينه المحمدي القويم، ويهدي سيرتكم الحسنى إلى صراط مستقيم، ويجعل الظفر مصحوبا مع أعلامكم، وأعناق مناوئيكم خاضعة تحت أقدامكم، حتى لا تبقى فضيلة إلا أحرزتموها، ولا مكرمة إلى حزتموها، ولا مفخرة للإسلام إلا أظهرتموها للوجود وأبرزتموها.

وقد وصل -واصل الله سعودكم، وأدام في مراقي العز صعودكم-؛ مسطوركم البهي المعرب عما تضمنه الفؤاد، من خالص المحبة وكريم الوداد، المحيي بحسن مقاصده لما سلف بين الآباء الكرام والأجداد، الحاث على ما دعت إليه السنة المصطفية من الألفة وكمال الاتحاد، متضمنا لما شرح الصدور، وأقر الأعين في الورود والصدور، وأبهج الإسلام وأهله، وأذهب عنكم كرب الحزن ومحله، جلوسكم على كرسي الخلافة العظمى، وحيازتكم بمنة الله منصب الإمامة الأسمى، إرث أسلافكم الخلفاء الكرام الرفيع المقدار، الحائزين في الذب عن الدين كمال الاعتبار، المضيئين بفتوحاتهم الجليلة غياهب الأيام، الكائنين غرة منيرة في جبين الإسلام، ولعمري لقد استردت عواديها، وأعطى القوس باريها، وبلغت الرياسة الشريفة حلها، ما أحسن الأشياء على محلها.

وإذا سخر الإله أناسا         …             لسعيد فإنهم سعداء

فهنيئا للدين والدنيا بكم، وبشرى لكم ما خولتم من ربكم، جعل الله ملككم مقرونا بالطالع السعيد، والفتح المديد، والنصر الذي هو لطوائف الشرك مبيد، وأدام نعمته عليكم، وهدى بكم وهدى إليكم، وجعلكم من الخلفاء الراشدين، الذين ادخرهم لتجديد الدين آمين.

هذا وإن من شيمكم الكريمة الواضحة، وعلامات سعادتكم اللائحة؛ سبقيتكم إلى البحث على تجديد عهود الأسلاف الكرام، وإحياء مودة الأجداد العظام، وتصحيح الأنباء، بتوارث محبة الآباء للأبناء، والدعاية إلى الألفة والتشابك على قهر الأعداء، وعلاج دائهم قبل الإعداء، وتلك سجية يختص بها الماجد الأحزم، وشنشنة أعرفها من أخزم، وما زالت تلك المأثرة تختلج الصدر، وتتردد بين السحر والنحر، وتوالي الأيام يدني من أهلها ما تقصى، ومواعدها تلين ثم تستعصى، حتى أتاح الله لكم أمرها، وأطلع من سماء فضلكم بدرها، وخصكم بآلائها، وملككم زمام ولائها، ولكم في ذلك مزيد التقدم والإقدام، وما على من بذل ما في وسعه من ملام.

فأما ما شرحتم من تمالئ أهل الإشراك، ونصبهم للمسلمين الغوائل والأشراك، ودعوتم إليه من الاتحاد على دفاعه والاشتباك؛ فما خلت ضمائرنا بحول الله من تلك النية، والتناصر في ذات الله عندنا غاية الأمنية، والسعي في جمع الكلمة متعين على جميع أهل التوحيد، والدعاء إليه من خصال الموفق الرشيد، وما نصر الله منا ومنكم ببعيد، والله المسؤول جل وعلا أن يحفظ الدين الحنيفي بكريم هذه العصابة، ويؤيدها بالنصر والفتح والتأييد والإصابة، بجاه سيد الأنام، ومسك الختام، ولبنة التمام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

صح من مسودته من دفتر المسودة المحتفظ به بالمكتبة الزيدانية”[4].

وفي سنة 1296 هـ / 1879 م، كتب السلطان مولاي الحسن الأول للسلطان عبد الحميد بما لفظه بعد الحمد لله والصلاة والطابع الإمامي الحسن بن محمد بن عبد الرحمن بن هشام؛ الله وليه ومولاه:

الجناب المعظم المحترم، الرافل في حلل الغزو والعز المطلسم، المرتشف من معين مناهل السنة أصفاها، المهتبل بإقامة دعائم الدين كتابة وشفاها، العاقد الوية المجاهدين، وسرايا المؤمنين، والمرهب برهفه أهل العناد، البرزخ المانع من غوائل الغي ونوازع الإلحاد، الغازي غزو أهل الاستقامة والجد والمكانة والسطوة والصرامة، خديم الحرمين الشريفين الأخ في ذات الله تعالى والمحب لأجله السلطان بن السلطان بن السلطان عبد الحميد خان أبقى الله مآثركم خالدة صالحة، وغرر مفاخركم مشرقة واضحة، وسلام على سني حضرتكم تفتر عن ثغر الوداد مباسمه، تهب في ساحتكم المباركة نواسمه، ويتضوع بأنديتكم الحفيلة نشره، ويلوح بأوج علياكم دوره.

وبعد، فالسبب في هذا المسطور وتحريره، والباعث على وشيه وتنميقه وتسطيره، وإعلامكم بأنا لازلنا على صدق ما لدينا في جانبكم من جميل الاعتقاد وصفاء الوداد مقيمين على المحبة المقتضية لكمال الاتصال، ونهاية الأخوة المؤدنة بعدم الانفصال. ولاشك أن ذلك معكم، وبرهانه قائم من أنفسكم ثم المعروض على مسامعكم الكريمة، ومشاعركم الفخيمة، أن حامله الشريف الخير البركة السيد عمر بن محمد بن محمد ابن زين العابدين الوزاني المستوطن هناك ورد على شريف أعتبنا، ويمم مجيد ربوعنا، وأخبر عن كريم جنابكم بما هو المعتقد فيكم من الاحتفال بجنازة عمنا المرحوم مولاي أحمد قدس الله روحه والاعتناء بجانبه في التجهيز والدفن وسط قبور أسلافكم الملوك الأجلة سقي الله رموسهم بوابل الرحمات. فسرنا ذلك واقتطفنا من رياض وده أزهارا وثمارا وزدناه في المحبة استبصارا فتعين الثناء، وما عسى أن يبلغ وإن اتسع نطاقه، وكان إلى أبعد الغايات استباقه، على أنا لو كنا نعلم ما لنا من الاهتبال بحضرتكم الكريمة وسدتكم الرفيعة خفي عنكم لاجتهدنا في تقريره، ولوكلنا ألسنة الأقلام بشرحه وتفسيره، ولكنا على يقين من تحققكم أن مناهل الود صافية، وحظوظ المحبة نامية وافية، أبقى الله جنابكم مؤيدا منصورا، وعملكم في البداية والنهاية مشكورا. وقد وصل صحبة السيد عمر مذكور حريم العم محفوظا بحمد الله مصونا، وقد بذل مجهوده في البرور والاحتفاظ كما هو شأن أهل الخير والدين، فمن أجل ذلك تعين تنبيه مجادتكم على ملاحظته بعين الاعتبار ومعاملته بمقتضى بغيته بما يوافق السنة والكتاب في سائر الأوطار، فإنه أهل لذلك وأجدر بما هنالك.

وجنابكم الفخيم قمين بالمساعدة، جدير بتقليد المنن حالتي الغيب والمشاهدة، كما نعرض على مسامعكم الشريفة أيضا أنا لما عزمنا على اشتراء رباع بالحرمين الشريفين لتحبس على أرباب الوظائف وغيرهم قصدا إلى أن يكون لنا بها سهم من خدمة ذلك الجناب الذي لا يسمح بنصيبه منه مومن، بلغنا أن سيادتكم منهعت منه من لم يكن من أهلها لأسباب بينت لنا والمقصود أن تصدر سيادتكم الإذن في ذلك تفضلا وامتنانا إن لم يكن فيه حرج ولا خرق وإلا فالنية أبلغ من العمل، ووجوه البر كثيرة ودواعيها متوافرة، وأسبابها يسيرة.

والله سبحانه يبقى العز لكم خديما، والنصر المؤزر [*64] لجانبكم سميرا ونديما، مختوما بطابع الفتح سالكا منهجا قويما، والسلام. في عشري شوال المبارك، عام 1296.

صح من مسودة أصله”اهـ.

تكشف هاتان الرسالتان عمق العلاقة بين الدولة العثمانية والدولة العلوية في المغرب، كما تبرز حجم الاحترام بين سلطاني الدولتين، ووعيهما الكامل بحجم الخطر الإمبريالي وضرورة مواجهته بالتعاون والاتحاد.

وقد أشار ابن زيدان في مصدر آخر[5] إلى أحد وجوه حرص السلطان مولاي الحسن على تمتين العلاقة بينه وبين الخليفة العثماني، كما تشير إلى ذلك التوجيهات الصارمة من السلطان إلى وزيره الأول بالعناية الكاملة بإيصال الهدايا التي يرسلها إلى البلاط العثماني؛ وفي هذا الصدد قال ابن زيدان:

“ولم تزل هذه العلائق محكمة الربط بين ملوك الدولتين، ورسائل صفاء الود وتبادل الهدايا بين المملكتين، إلى أواخر الدولة الحسنية …”.

فتح سفارتي البلدين:

وفي سبيل تجسيد إرادة سلطاني الدولتين؛ جرت مراسلتان بين وزير الخارجية التركي وناظر الشؤون الخارجية للدولة المغربية؛ وثقهما أيضا المؤرخ عبد الرحمن ابن زيدان؛ حيث قال:

وفي سنة أربعة وثلاثمائة وألف 1304 (1886 م)، ورد كتاب من وزارة خارجية تركيا للمترجم هذا لفظه بعد افتتاحه:

من ناظر الخارجية للدولة العلية العثمانية لجناب الأجل الأكمل الأفضل ناظر خارجية حكومة فاس الفخيمة المحترم.

إنه لما كان تأييد وتزييد الحب والوداد، وتأبيد المخالصة والاتحاد، الجاريين بالطبع فيما بين الدولة العلية وحكومة فاس الفخيمة ووقاية منافع الطرفين، هو قصارى مرغوب السلطنة السنية وجل مبتغاها.

وكان الحصول على المقصد موقوفا على أن يكون لكل من الحكومتين سفير في عاصمة الآخر، ليكونا واسطة لتبليغ أفكار الحكومتين الفخيمتين ونواياهم الخالصة، ولا مراء أن شهامة حكمدار فاس الأفخم، سيتكرم بالاشتراك مع الدولة العلية بما عندها من خالص الفكر والنية بتشييد أس المخادنة والمصافاة، وتأييد بنيان المخالطة والمناسبات.

وبما أن السلطنة السنية ترغب في تشكيل هيئة سفارة في طنجة مركز الحكمدارية الفخمة الفاسية، فالمتمنى إذا صرف جل الهمم العلية باستحصال موافقة حضرة الحكمدار المشار إليه بحصول هذا المطلب المؤدي لتأييد دعامة المصافاة، وتشييد أركان الصلات فيما بين الحكومتين والتكرم بإفادة عاجزكم عما يحسن بهذا الباب، هذا مع إبراز شعار الإخلاص لمكارمكم وأدام الله بقاءكم أفندم.

في 15 ربيع الآخر سنة 1304. وزير الخارجية للدولة العلية العثمانية.

ثم الخاتم نقش داخله محمد سعيد.

صح من أصله المحتفظ به في المكتبة الزيدانية صحيفة 29 من الكناش عدد 1732 ووقع الجواب عن هذا الكتاب في متم جمادى الأولى عام 1305 وإليكم لفظه بعد الافتتاح:

وبعد، فقد وصل كتابك للحضرة الشريفة في شأن جعل سفراء بين الدولتين لتأكيد المحبة التي بينهما، وطالعه الجناب العالي بالله وعلم مضمنه وأمرني أيده الله [*61] أن نجيبك عنه بأنه نصره الله رأى ملاحظة حق الأخوة في الدين لا تفتقر لإحداث وسيلة في جانب  الوداد، وراعى من اعتبار مراحم الإسلام في الوصلة إجراءها مجرى الاتحاد، يقينا بأن نعمة هذه الأخوة لا يقبل حكمها التشكيك، ولا يطرق مركبها تفكيك، فلا داعي لتنزيل جانبها منزلة ملل الاختلاف حتى يحتاج لنصب وسائط لتمهيد الائتلاف، ولتفهيم القواعد والقوانين والأعراف، لأن من المقرر المعلوم أن المقتضي لذلك هو ضرورة المعاملات، المتوقفة على المفاوضة بين الأجناس المحتاجة لبيان الاصطلاحات واللغات، وذلك منتف في أهل الملة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، لاتحاد جميعهم في أصول الأحكام والأعراف الشرعية، واتفاقهم في سلوك المساعي الصالحة على متابعة السيرة السنية، لقوله تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وا نهاكم عنه فانتهوا] (سورة الحشر: الآية 6) وبأن أسلافه وأسلافكم رحم الله الجميع وقدس أرواحهم كان بينهم ما هو مشهور عند الخاص والعام، من المحبة والمودة والاتصال التام، حسبما تضمنته مكاتيبهم الموجودة في ذخائر الدولة العثمانية السنية، التي لا يحتاج معها في ذلك لدليل وبرهان لقيامها مقام المشاهدة والعيان.

ومع ذلك لم يقع بينهم خروج عن المنهج الشرعي والقانون المرعي، وبأن سيدنا أيده الله مع دولتكم المعظمة على آثار أسلافه الأكرمين في ذلك كان خير الخلف هو الابع لآثار السلف ولقوله عليه السلام، [شر الأمور محدثاتها][6] والسلام.

في متم جمادى الأولى عام 1305.

صح من مسودته المحتفظ بها بالمكتبة الزيدانية صحيفة 30 من الكناش المذكور.

ووقفت أيضا على مسودة جواب ثان نصها:

وبعد، وصل كتابك في شأن  جعل سفيرين بين الدولتين العظيمتين لتأكيد المحبة بينهما، وأطلعنا به شريف علم مولانا نصره الله فاستوعبه وعلم مضمنه وأمرني أعزه الله أن أجيبك عن ذلك بأنه دام تأييده مع دولتكم المعظمة عل الأخوة الإيمانية، والصداقة الإسلامية، وعلى آثار أسلافه فيما كان بينهم وبين أسلاف الدولة المحترمة المفخمة قدس الله أرواح الجميع ونعم أشباحهم من المحبة والمودة والاتصال التام، المشهور عند الخاص والعام، حسبما تشهد به مكاتبهم التي لا يظن أن تخلو منها ذخائر الدولة العثمانية السنية، لأن خير الخلف، هو التابع لآثار السلف، وبأنه نصره الله يسره ما يسر الدولة المحترمة ويضره ما يضرها، كما هو شأن الأحباء في الدين والإخوة في طاعة الله، ويدعو لها بمزيد الثروة والضخامة والرفعة والفخامة، إذا كان الأمر كذلك فلا يحتاج إلى التكلف بما ذكر من جعل سفيرين بين الجانبين بقصد ما ذكر، لأنه إذا ثبتت الألفة، سقطت الكلفة.

وما ضرنا نأي الجموع وقد دنت       قلوب طويناها على خالص الود

سيما وذلك في هذا الوقت الحاضر يفضي كما لا يخفى عليكم إلى ما لا تحبونه من الحرج الكبير، والهرج الكثير. وإذا لم يكن ذلك الآن لأجل هذه الصفة، فلا يبعد أن يكون عند انتفائها في وقت آخر. لأن المحبة والصداقة الإسلامية حاصلة والحمد لله، لا تغيبوا عنا خيرا لكون النفس متشوقة لما يرد من عندكم، والسلام.

صح من الأصل المحتفظ به بالكناش المذكور صحيفة 38 [*62].

قال عبد الرحمان بن زيدان: “وقد اتفق الطرفان أخيرا على تبادل السفراء وعزم المولى الحسن على تعيين العلامة الحافظ أبي إسحاق إبراهيم السنوسي الفاسي نزيل الإسكندرية سفيرا بالأستانة العليا، وأعد الهدايا المناسبة التي يتوجه بها”[7].

تدخل بريطانيا وألمانيا لمنع التعاون بين الدولتين:

قال عبد الرحمن ابن زيدان:

“ولما كاد الأمر أن يتم ويخرج من حيز القول إلى الفعل؛ تدخلت انجلترا في القضية وسعت بكليتها في نقد ما أبرم، وحذرت المولى الحسن من تدخل تركيا في المغرب وأبدت وجوها.

إن إيالته لا ترى مانعا دينيا يمنعها من الالتجاء إلى سفارة تركيا والاحتماء بها حيث أنها دولة إسلامية بخلاف غيرها من دول أوربا التي كان المحتمي بها والملتجئ إليها أو إلى سفراءها وقناصلها في المغرب يُعد في نظر الشرع وأهل الفضل والدين: مارقا عن دينه خائنا لوطنه ودولته.

وعضد انجلترا فيما أبدته من الإنذارات؛ بعض البطانة الملتفة بالسلطان المولى الحسن مثل…؟

كما أن سفير ألمانيا قام حجرة عثار في ذلك السبيل حتى فشل مشروع تبادل السفراء وخابت مساعي الساعين فيه وبلغ المعاكسون ضالتهم المنشودة”ط[8].

قال ابن زيدان:

“ومما ذكر يعلم أن المخابرة كانت جارية بين المترجم منذ تسنم عرش جدود آبائه الطاهرين، وبين السلطان عبد الحميد، والقصد منها المؤاخاة بين الدولتين.

وقد كادا أن يتفقا أخيرا على تبادل السفراء. ولما آن إبراز هذا الأمر من حيز النية إلى الفعل، قامت الدولة الإنجليزية لذلك وقعدت، وأرعدت وأبرقت، وتدخلت في القضية بصفة أنها ناصحة فخوفت وأرجفت، واستعانت على ذلك ببطانة من البلاط، وأوعزت لها بدس الدسائس ونشر الدعاية ضد الفكرة. فأشاعوا وأذاعوا أن في تبادل السفراء مع الدولة التركية مشاكل وخروقا يعسر رتقها.

وذلك أن المغاربة لا يوجد مانع يمنعهم من الالتجاء إليها والاحتماء بها من حيث أنه دولة إسلامية بخلاف غيرها من دول أوروبا التي كان المحتمي بها والملتجئ في المغرب إلى سفرائها وقناصلها يعد في نظر الأمة المغربية مارقا من الدين خالعا لجلباب الحياء والمروءة خائنا لوطنه ودينه وأمته بائعا لذمته قأثرت هذه الإرجافات على صاحب الترجمة، وغير خاف أن الحكومة على عهده كانت شورى. ورغما عن ذلك فإن السلطان المترجم برد الله تراه، عرف كيف يبرز موقفه في هذا المقام بما مر في أجوبته السالفة التي تجلت فيها روح الأخوة الإسلامية، وكأنه يومي إلى اطلاعه على ما دس من الدسائس بل وقع التصريح منه في آخر الجواب”[9].

[1]  يقال لاذ بحقويه: لجأ إليه، قال الشاعر:

سماع الله والعلماء إني             ألوذ بحقو خالك يا ابن عمرو

[2] عبد الرحمن ابن زيدان العلوي؛ العلاقات السياسية للدولة العلوية؛ (ص: 154-157)؛ تقديم وتحقيق: عبد اللطيف الشاذلي؛ المطبعة الملكية – الرباط؛ 1420هـ/1999م.

[3]  الفرض في اصطلاح الفقهاء: سهم مقدر للوارث في التركة؛ وبأصحاب الفروض يبدأ عند قسمة الميراث، وإذا لم يوجد أحد من ذوي الفروض أو وجد ولم تستغرق الفروض التركة؛ كانت التركة أو ما بقي منها للعصبة وهم الوارثون بالتعصيب.

[4]  عبد الرحمن ابن زيدان العلوي؛ العلاقات السياسية للدولة العلوية؛ (ص: 157-159)؛ تقديم وتحقيق: عبد اللطيف الشاذلي؛ المطبعة الملكية – الرباط؛ 1420هـ/1999م.

والعز والصولة في معالم نظم الدولة؛ (ص: 288-291) لابن زيدان أيضا؛ المطبعة الملكية – الرباط 1381-1961.

وقد أخطأ ابن زيدان في هذا المصدر؛ وجعل الرسالة موجهة من محمد الثالث إلى عبد الحميد الأول.

[5]  العز والصولة في معالم نظم الدولة؛ (ص: 291-293) لابن زيدان أيضا؛ المطبعة الملكية – الرباط 1381-1961.

[6]  [أما بعد، فإن خير الكتاب كتاب اله، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار] الإمام مالك، الموطأ، ص66.

[7] إسماعيل بن محمد الرشيد العلوي السلاوي؛ جلاء الظلام الدامس في موجز تاريخ المغرب إلى عصر محمد الخامس؛ (ص. 149)؛ مطبعة فضالة؛ الطبعة الأولى 1957.

[8] المصدر نفسه.

[9] عبد الرحمن ابن زيدان العلوي؛ العلاقات السياسية للدولة العلوية؛ (ص: 174-177)؛ تقديم وتحقيق: عبد اللطيف الشاذلي؛ المطبعة الملكية – الرباط؛ 1420هـ/1999م.