أنشطة وأخبار

تعريب التعليم من صميم الاستقلال

تاريخ النشر : 21/11/2015

عدد المشاهدات : 604


تعريب التعليم من صميم الاستقلال

بقلم: العلامة الزعيم علال الفاسي

(ت 1394 هـ / 1974 م)

لا يسعنا ونحن نحتفي بالذكرى الستين لاستقلال المغرب؛ إلا أن نستحضر هذا المعنى الجليل الذي وضحه الزعيم علال الفاسي؛  

والذي أكد فيه بأن استقلال المغرب لا يتم ولا يصح إلا إذا كانت لغة التعليم هي اللغة العربية؛ قال رحمه الله تعالى:

“ومن المعلوم ـ من جهة التربية ـ أن تعدد لغات التعليم في البلد الواحد يضر أضرارا فاحشة بتكوين الأبناء ومستقبل الثقافة في الوطن، وإن من واجب الدولة أن تعمل ما في استطاعتها لتكون لغة الدراسة واحدة في جميع أجزاء القطر وفي كل مراحل التعليم.

ولقد رأينا آثار هذا التعدد في البلاد العربية؛ حيث وقع تزاحم في النفوذ العقلي والروحي لمختلف شعوب أوروبا وأمريكا أدى إلى اختلاف في التكوين العام لأجيال النهضة، ونشأ عن ذلك تضارب في التوجيه ما تزال البلاد العربية تسعى  إلى التحرر منه لتصل إلى تكييف ثقافتها بالطابع العربي البعيد عن غير التأثيرات الطبيعية التي تتبادلها الشعوب والحضارات.

على أن ذلك الخطر هو أقل بكثير من خطر ضياع اللغة القومية التي هي إحدى مقومات الأمة الأساسية ومميزاتها.

وإن الأمة التي تتعلم كلها بلغة غير لغتها لا ينمكن أن تفكر إلا بفكر أجنبي عنها.

وإني لأذكر كلمة كان كتب لي بها الصديق العزيز أحمد بلافريج عافاه الله وحفظه ـ وكان قد ذهب من باريس إلى مصر ليتم دراسته: “إن العلم إذا أخذته بلغتك أخذته، وإن أخذته بلغة غيرك أخذك“.

وهي كلمة لا أدري إذا كانت من وضع الطالب بلافريج أو من محفوظاته، إلا أنها علقت بذهني لما لها من المعنى العميق الذي يعبر عن أثر اللغة في تكوين الشخص وتكييفه.

إن لغة التعليم في المغرب يجب أن تكون واحدة؛ يجب أن تكون هي اللغة العربية، فإذا أخذت لغتنا مركزها في كل المدارس لم يعد علينا بأس بعد ذلك إذا أضفنا لها لغة أو لغات حية تفتح لنا آفاق الاتصال بالعالم الغربي الذي نتطلع إلى الاقتباس من تجاربه وفلسفاته.

لكن الدراسات الأساسية كلها يجب أن تكون بالعربية؛ أي يجب أن تحل العربية محل اللغتين الفرنسية والإسبانية في جميع المدارس التي تؤسسها الدولة والأفراد المغاربة وتحل اللغتان محل العربية اليوم.

بذلك يقضي الوضع السليم والمنطق الصحيح؛ لأنه لا توجد أمة على وجه الأرض تضحي بلغتها التي هي عنوان وجودها وتنتحل لغة أخرى ولو بلغت من الحيوية ومن السمو إلا إذا كان ذلك عن طريق القوة والاضطهاد غير المقبولين.

وأعتقد أن ما وضعته اللجنة الملكية من ميثاق للتعليم المغربي خير علاج في الوقت الحاضر لهذه المشكلة إذا كان القائمون على الأمر يهمهم أن يعالجوا المشكلات قبل أن يستفحل أمر الاستياء منها، وأظن أن تلك الوثيقة خير عنوان على حسن نية واضعيها نحو الثقافة الأجنبية نفسها، فالمغرب المتمسك بمقوماته اللغوية والدينية يمثل كامل التسامح فيما يقضي به التعاون الثقافي بين الشرق والغرب.

ولقد طالب النواب المغاربة فيما يسمى بمجلس شورى الحكومة بفرض اللغة العربية في المدارس التي تؤسسها الدولة للأجانب وبضرورة جعلها لغة التعليم في المغرب كله. وهذا ما يؤكد ويقوي ضرورة تحقيق هذا الإصلاح الذي أكدت القوات الشعبية اليوم المطالبة به.

ولكن واجبنا نحن أن لا ننتظر من النظام القائم تحقيق أهدافنا كلها، بل علينا أن نبذل كل جهد لخلق تعليم عربي عام بجميع أقسامه، وكما فرضنا على الإدارة الاعتراف بالتعليم الابتدائي العربي عن طريق الأمر الواقع يجب أن نصبر ونصابر فنفرض على من أحب ومن كره تعليما ثانويا عربيا وتعليما عاليا عربيا.

وعلينا أن نكون في الأمة الروح التي إذا قويت فعلت.

إن من عادة الدولة الفاتحة أن تسعى في نشر لغتها في الشعب المغلوب ومحو لغته، ولكن التاريخ يحدثنا بأن الفاتحين لا يقوون على تحقيق هذا الحلم إلا إذا استقام لهم أمران:

أولا: تفوق حضارتهم على حضارة المفتوحين

ثانيا: أن تكون لغتهم ولغة المغلوبين من عائلة واحدة.

فإذا لم يتم الأمران معا لم يتم محو اللغة الأصلية.

وهكذا نجد الرومانيين الذين نشروا لغتهم في سائر البقاع لم يستطيعوا أن يمحوا اللغة اليونانية، لأن الإغريق لا يقلون عنهم حضارة ورقيا، ولم يستطيعوا كذلك محو اللغة المغربية؛ لأنها تختلف عن عائلة الرومية، وتجد العرب كذلك تغلبوا على اللغات السامية في الشرق والبربرية في شمال إفريقية من أجل الاتحاد في الأسرة اللغوية ومن أجل التفوق الحضاري، وعلى العكس لم ينجحوا في القضاء على لغتي الإسبان والفرس لأنهما من أسرة لغوية أخرى. وإذن فالمستعمرون لا يمكنهم أن يحلموا بالقضاء على العربية في المغرب؛ لأن حضارتهم لا تختلف عن حضارتنا أو تتفوق عليها وأن قطعوا أشواطا بعيدة عنا؛ لأن الحضارة الحقيقية في الروح، ونحن لا نقل عنهم في إيماننا بمقوماتنا. وأيضا فإن الفرنسية والإسبانية لغتان لاتينيتان آريتان، بينما العربية سامية وهو اختلاف عائلي كبير. وهكذا يمكنهم أن يعتبروا التاريخ والواقع، ويغيروا هذه السياسة المتبعة ضد العربية؛ إن ذلك خير لهم وأجدى.

إن أهم خطوة في سبيل إصلاح التعليم هو جعله بلغة واحدة هي لغة البلاد؛ ذلك هو الهدف القومي الذي يجب أن يسعى له الجميع”اهـ.

من كتاب النقد الذاتي (ص: 353ـ355).

وسوم :

مواد ذات صلة

رئة الكرامة الإسلامية والعربية

تاريخ النشر : 12/02/2018

عدد المشاهدات : 60

السلفيون .. وَعَبد السلام ياسين .. والعماري ..

تاريخ النشر : 12/02/2018

عدد المشاهدات : 94

غصن الزيتون ووجه الحضارة

تاريخ النشر : 12/02/2018

عدد المشاهدات : 77

الوزير وثقافة صلاة الفجر

تاريخ النشر : 12/02/2018

عدد المشاهدات : 56

نظرات في فقه حديث: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”

تاريخ النشر : 26/09/2017

عدد المشاهدات : 2137

'