أنشطة وأخبار

المؤامرة على اللغة العربية

تاريخ النشر : 14/11/2015

عدد المشاهدات : 598


المؤامرة على اللغة العربية

(دعوة لتحرير العقول المستلبة)

بقلم: العلامة عبد اللطيف جسوس

عضو المكتب التنفيذي لنادي الفكر الإسلامي

برامج التعليم هيأ لها وخطط لها أعداء الإسلام الذين عرفوا بعد دراستهم الواسعة، وتحليلاتهم بأن لا سبيل للتغلب على المسلمين، وتشتيت صفهم، واستعبادهم، ماديا وفكريا، إلا بشيء واحد، وهو الوصول بشتى الوسائل لتصبح قلوبهم خرابا من الإيمان، فسعوا إلى هذا جادين ماكرين، مركزين أكبر اهتمامهم على ميدان التعليم، باذلين في ذلك كل مجهوداتهم، ومسخرين كل طاقاتهم ومختلف إمكاناتهم، حتى تم لهم تشويه الإسلام عن طريق اللغة العربية التي أنزل الله بها القرآن الكريم.

وأنشأوا المدارس المبرمجة بطريقة ماكرة لمحاربة الإسلام ولغته، وتآمروا على العربية علما لما للغة من تأثير عميق وسحري على الناشئة، إذ سرعان ما تتحول أفكار التلاميذ والطلبة إلى نسخة طبق الأصل لعقول الأعداء وأفكارهم، وهي نتيجة طبيعية وحتمية لتلقيننا لغة الأعداء لأولادنا منذ طفولتهم إلى غاية تخريجهم.

من دأب سياسة هذا التعليم احتقار من يتلقى دراسته بالعربية؛ وذلك إن لم يكن دائما بالمقال، فهو بالحال على الدوام، حتى أبعدوا الناشئة عن لغتها العربية، وحالوا بينها وبين إتقان لغة القرآن الكريم، واللسان الذي وصلنا به الإسلام، وذلك بمختلف أنواع الضغوط تارة، وأحيانا بشتى صنوف الإغراءات حتى تعودنا سماع أن من أراد تأمين مستقبل أبنائه، فعليه أن يرمي بهم في التعليم العصري المزدوج اللغة، أو بعبارة أوضح في التعليم الاستعماري!

أما ما يتلقونه في هذه المدارس العصرية من العربية لأولادنا فهو أقل مما يتصور، ولا يعدو قشورا مطعمة بكل ما يناهض الإسلام ويحارب تعاليم القرآن.

وماذا يرتجي من شباب هذه نشأته؟ وعلى هذه البرامج كانت تربيته؟

حتى أصبح عاجزا تماما عن التعبير إلا إذا استعمل الفرنسية أو الإسبانية أو الإنجليزية.

وكم رأينا من مناظر مؤذية ومخزية، تحز الألم في النفس ويندى لها جبين الأحرار؛ كمنظر كبار المسؤولين من العرب والمسلمين الذين بلغ بهم الاحتقار للغتهم أن صاروا يؤثرون لغة الأعداء في المؤتمرات  ومختلف الندوات على لغتهم العربية رغم أنها أحسن اللغات، وأغناها، وأدقها في كل تعبير، بشهادة الأعداء أنفسهم.

وكمنظر الأطباء المسلمين العرب أيضا، وهم في عيادتهم للمريض المسلم العربي، ولا يتكلمون إلا الفرنسية أو الإسبانية سواء تكلموا فيما بينهم، أو مع مساعديهم!

ويزداد موقفهم هذا دناءة وانحطاطا إذا كان المريض لا يحسن لغة الأجانب، فلا يعرف ما يقال في شأن مرضه، ولا يدري ما اتفقوا عليه لعلاجه، حتى يقاطعهم أحد أبنائه ويقوم مضطرا بمهمة الترجمة، بعدما يلفت نظر هؤلاء الأطباء أن إهمالهم للغة العربية واحتقارهم لها وهم في وسط أسرة مسلمة عربية، أقل ما يقال فيه: أنه يتنافى مع أبسط أعراف اللياقة والأدب، ويدل بكل واقعية على انعدام الشخصية ..

ومما يزيد في الموقف دناءة أن هؤلاء الأطباء وهم يتكلمون لغة غيرهم، يتوهمون أنهم يستعملون لغة العلم والحضارة، ويخيل لهم أنهم محظوظون؛ وذلك لشعورهم بمركب النقص، ولجهلهم بقيمة لغتهم ومقدرتها ولضياع شخصيتهم إن لم نقل موتها، إذ هم مجرد أجسام ليس فيها رجالها، ومجرد عقول حفظت علما لأجل المادة والتكسب فقط، فهي تؤديه بصورة آلية محضة، بعيدة عما تتطلبه كل مهنة من إخلاص وإنسانية، خاصة مهنة الطب المتطلبة لمزيد من الإخلاص ورقة الإحساس ومزيد من سعة الصدر ودماثة الأخلاق.

هذه الأخلاق الإسلامية نلمسها بالأسف عند زيارتنا للأطباء الأجانب، وبقدر لقاءاتنا معهم يظهر مدى ابتعادنا عن أخلاق ديننا، وانسلاخنا عن تعاليم إسلامنا، ويكبر الفارق بيننا وبينهم بقدر احتكاكنا بهم، إذ بالأضداد تعرف الأشياء.

وتتجلى ظاهرة مركب النقص هذا حتى في المؤتمرات الرسمية، مما جعل أحد أطباء العرب يقول لمثل المغرب في مجمع اللغة العربية المنعقد أخيرا في دورة استثنائية ببغداد؛ بأنه شارك في مؤتمر طبي بالمغرب فلم يكن هناك إلا طبيب أو طبيبان من المغرب، وهما لا يتكلمان اللغة العربية.

وما يقال عن الأطباء المفتونين بلغة الأجانب يقال عن المحامين ومن لف لفهم ودار في فلك التقليد دون تفكير أو تحليل.

وهؤلاء طبعا لا يتصورون الإسلام إلا كما كتب عنه أعداؤه حيث تربوا في أحضان تعليمهم حتى أمسوا لا يتذوقون للعلم والثقافة طعما إلا إذا كان هذا العلم عن طريق اللغة الفرنسية أو الإسبانية، أو الإنجليزية بالنسبة للشرق.

وهذا لا يعني أنني لا أستثني قلة جد قليلة من أطباء ومحامين مغاربة وشرقيين، احتفظوا بشخصيتهم بما فيهم من روح إسلامية وعربية.

والنتيجة باختصار أن مناهج التعليم في الدول (الإسلامية) أخرجت لنا شبابا يتعشق اللغات الأجنبية من فرنسية وإسبانية وإنجليزية لا كوسيلة للعلم والاطلاع على ما عند الأجانب وما يقولون عن الإسلام لمقاومتهم وإدحاض ترهاتهم وإظهار فاسد رأيهم ودعوتهم في التالي إلى الإسلام ..

ولكنهم تعشقوا لغة الأجانب تحت مرض الشعور بمركب النقص، حتى صار هذا النوع من الشباب يستثقل بل ويرفض لغته العربية، وينظر إليها بكثير من السخرية ومزيد من الازدراء.

وإن عدم تذوق الشباب للعربية، جعله طبعا لا يتذوق القرآن الكريم الذي أنزله الله بها، وبالتالي فهو لا يصل إليه القرآن من نبعه الصافي ليباشر قلبه بدون واسطة الترجمة وآفاتها وأخطارها.

وهكذا ضرب العدو أبناءنا بسهوم سامة قاتلة تحارب الإسلام في جوهره بطريقة غير مباشرة اقتضت منه نفسا طويلا، وصبرا لا يقل عن ذلك.

وإنه لمن دواعي الألم المتزايد أن هذا الشباب المفتون بأعداء الإسلام وثقافتهم وعاداتهم، المقلد لهم في كل صغيرة وكبيرة، والذي أقصى ما يرى من العلم، أن يردد نظريات زعماء المعسكرين الشرقي والغربي دون نقد أو ملاحظة، رغم الواقع اليومي المفنذ لهذه النظريات، المسفه لأحلامها، والحاكم بفسادها؛

أقول: من دواعي الحسرة والألم أن يكون هذا النوع من الشباب هو الذي يتزعم الطبقة المثقفة والمعتمدة عند الحاكمين بهذه الدول، وبالتالي فهو الذي يأخذ بزمام الحكم، وهو على ما هو عليه من بعد كلي عن أية ثقافة إسلامية صحيحة، بل ولا يتوفر حتى على معلومات ابتدائية سليمة تمكنه من معرفة ما هو من الإسلام، وما هو من المفتريات المدسوسة في الدين من مختلف الدجالين من يهود وصليبيين ومنافقين مداهنين يدعون الإسلام.

كما أن طبقة مثقفي الحكومات، أصبحت على الحالة التي كان عليها الإسبان في أوائل القرن التاسع عشر، والتي نترك وصفها للراهب الإسباني المدعو (الأب ألكارو) حيث قال بالحرف:

“يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين، لا لتنفيذها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق”. فأين نجد اليوم علماءنا يقرؤون التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟

وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل، وكتب الأنبياء والرسل؟

وأسفاه، إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب يقول الراهب  ليسوا على علم بأي أدب، ولا أية لغة غير العربية.

فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وأنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب، وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يتحجبون في زاوية إذا ذكرت الكتب المسيحية، محتجين بأن تلك الكتب غير جديرة بالتفاتهم، فواحر قلباه، لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد واحد منهم في الألف قادر على إنشاء رسالة لصديق بلاتينية مستقيمة، ولكن إذا استدعى الأمر كتابة العربية، فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل لقد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه العرب أنفسهم”.

وإنها لمصيبة تحز في القلب الألم أن نرى الآية تنعكس على هذه الطبقة من شبابنا، فنرى الغالبية منها لا يتقن إلا الفرنسية أو غيرها من لغات المستعمرين، وبالتالي تنجر هذه الغالبية بطريقة لا شعورية لتفكر تفكيرا فرنسيا أو إسبانيا أو أمريكيا أو شيوعيا، ونرى على هذا الشباب الفاقد لشخصيته ينطبق عليه الوصف الذي وصف به الراهب “ألكارو” أبناء دينه.

أو لسنا نرى مثلا، الفرد من الشباب المتفرنسين عاجزا عن تحرير ولو رسالة عائلية بسيطة بعربية سليمة؟؟

ولو طلب منه تحريرها بالفرنسية لبدأ وأعاد، بل ولحرر رسالات مختلفة المواضيع، ولكتب أطروحات بفرنسية لا يكتب بها إلا كبار كتاب فرنسا المرموقين.

ثم ألسنا نرى الفرد من هذا الشباب وهو يتحمل مسؤولية حكومية، لا يقدر حتى على إلقاء كلمة قصيرة بعربية سليمة؟

ولو في موضوع عادي بسيط، وإذا استدعى الأمر إلقاءها بالفرنسية أو الإسبانية مثلا، لكان من الخطباء البلغاء، وكأنه من الحاضرين المبرزين في جامعات باريس أو مدريد.

كل شيء تغير عند الإنسان وكل المسيحيين -بل وحتى عند اليهود-؛ لم يعد هؤلاء ممن كانوا تحت حكمنا وفي ذمتنا يرضون النطق بغير لغتهم، فأحرى أن ينطلقوا للثقافة بلسان غير لسانهم.

فلماذا لا يستطيع هذا الشباب المسلم المفتون بلغة غيره أن يغير من أمره، ويخلع هذه الأغلال من رقبته، ويكسر هذه القيود ويزيحها من عقله؟!

أما آن له أن يتحرر من هذه التبعية الفكرية؟

ومتى ينعتق من هذه العبودية؟

وهذا ما جعل المجاهد الكبير السيد أمين الحسيني يقول بعد ما زار المغرب في أوائل الاستقلال ورجع إلى المشرق: “المغرب استقل عسكريا، ولكنه محتل فكريا”.

إن المسؤولين عن التعليم في أغلب الحكومات (الإسلامية) يكونون في حقيقة الأمر عملاء لأعداء الإسلام ـ عرفوا ذلك أم جهلوا ـ بتطبيقهم سياسة تعليمية متناقضة مع روح الإسلام وأهدافه، وبذلك أصبحوا اليد المساعدة لأعداء الله في نزع الروح الإسلامية من عقول شبابنا وتسييسهم تعليما وفق برامج خطط لها قديما في ندوات ومؤتمرات يهودية صليبية، لتكون حائلا بين انبعاث الإسلام من جديد، بعد ما تأكدوا جميعا أن الإسلام يستطيع غزوهم بلا إكراه ولا عدوان، وإنما بالعلم، والحضارة والبرهان.

كما يعلمون أن عودة الإسلام إلى الحياة، معناه انبعاث مسلمين التزموا بإعلان عبوديتهم لله وحده: قولا وسلوكا، تخطيطا وتطبيقا، في كل المجالات وعلى مختلف الواجهات، مهما كانت الظروف، وتباينت الملابسات”اهـ.

من دراسته “أزمة أمانة” المطبوعة سنة 1981

ص: 93-100 مع اختصار

 

وسوم :

مواد ذات صلة

'