أنشطة وأخبار

السيادة اللغوية للدكتور عباس الجراري

تاريخ النشر : 13/11/2015

عدد المشاهدات : 520


السيادة اللغوية

بقلم: الأستاذ الدكتور عباس الجراري

(مستشار جلالة الملك محمد السادس)

إن اللغة العربية في حاجة ـ لكي تكون لغة العصر وما يجد فيه من معارف وعلوم ووسائل التواصل المستحدثة ـ إلى أن تعتبر إلى اللغة الأم، أي اللغة الوطنية والرسمية ذات السيادة الكاملة، بعيدا عن أية هيمنة تكون للغة أجنبية كيفما تكن هذه اللغة، وبعيدا كذلك عن كل محاولة لفرض لهجة عامية محلية، مهما يكن لهذه اللهجة من حضور في الواقع أو التراث.

ولا يمكن أن تكون هذه السيادة كاملة إلا إذا تجلت في مختلف المجالات الحيوية للمجتمع، وإلا إذا كان عليها الإجماع، في ثقة بها وإيمان بضرورة تدعيمها وترسيخها، وجعلها لغة الحياة العامة، وفي مختلف المرافق الإدارية، وكل ما يحتاجه المواطن في علاقته بالمؤسسات الرسمية وغيرها؛ دون الاضطرار بتمحل إلى الازدواج اللغوي الذي أضحى ظاهرة شائعة في كثير من الأقطار العربية بعد أن تحررت من الاستعمار؛ مما تكمن خلفه أسباب اجتماعية ونفسية، إلى جانب إغراء منتجات الحضارة الحديثة، مما لا شك يكون له تأثير على وحدة المجتمع الذي يعاني عقدا ومركبات تظهر آثارها على لسانه، بقصد منه وبدون قصد، لرسوخها في وعيه ولا وعيه.

إن اللغة أداة توحيد في المجتمع، لا أداة تفريق.

ولعل مما يرسخ هذه الحقيقة، أن تكون لغة التعليم في جميع مراحله، بما فيها المرحلة الجامعية وما يتصل بها من بحث علمي، بكل ما يقتضيه من اجتهاد في نقل المصطلحات وما إليها مما يجد في هذا البحث على مستوى العالم.

وإنه لخطأ فادح ما يحدث في معظم الجامعات العربية، حين يراد قصر اللغة العربية على الدراسات الأدبية والإنسانية، مع فسح المجال للغة الأجنبية بالنسبة للعلوم التقنية والمعارف العصرية.

ومن العجيب أن الذين يريدون أن تقتصر اللغة العربية على تلك الدراسات وما فيها من حقول فكرية وإبداعية، ينسون أنها هي التي تحتاج إلى معجم أوسع وطاقات تعبيرية أكبر، في حين أن ميادين العلوم الأخرى ـ على سعتها وتعددها ووفرة جديدها ـ لا تتطلب في الاستعمال التخصصي الدقيق، سوى متن محدود تملأه مصطلحات يمكن التغلب بالتعريب والاقتباس على ما عندنا فيها من نقص كثير ومتزايد؛ إضافة إلى ما في التراث العلمي العربي في هذا الباب.

وهو إمكان مشروط بتوافر الرغبة والشجاعة لمواجهة هذا النقص، مع بذل الجهد اللازم الذي يتطلبه التنقيب في ذلك التراث؛ بعيد عن أي تباطؤ أو تمحن في محاولات متعثرة للتعريب، ومثبطة لعزائم الداعين إليه؛ وبعيدا كذلك عن الرفض المطلق للاقتباس على ما في هذا الاقتباس من ربح للوقت، وكذا إغناء لمتن اللغة العربية التي لا يخفى ما أثرت به من دخيل على مر العصور.ز

إن اللغة العربية ـ بهذا كله وكأية لغة أخرى ـ عنصر أساسي في التنمية وما ينتج عنها من رقي وتقدم، سواء في بعدها البشري أو في سياقها الشامل المستديم.

ولا إمكان لتحقيق هذه التنمية بلغة أجنبية أو بشتات لغوي، مهما يكن في المجتمع من تعدد وتنوع.

وحتى حين يوجد مظهر ما لهذا التنوع والتعدد ـ كما هو حال الأمازيغية في المغرب على سبيل المثال ـ فإنه ينبغي معالجته بما يحفظ له ثراءه وقيمته في إغناء المكونات الاجتماعية والثقافية، ولكن كذلك ـ بل قبل ذلك ـ بما يحافظ على اللغة الوطنية والرسمية التي هي الآصرة الجامعة واللحمة الموحدة لذاك المجتمع.

وإلى جانب هذه المتطلبات الأساسية لحماية اللغة العربية وتقويتها، فإنه يلزم كذلك احترام استعمالها في الملتقيات الدولية التي اعترفت بالعربية لغة عالمية، والتي تستغرب مع هذا الاعتراف ما يصدر عن بعض المسؤولين العرب من تجنب الحديث بها، ولجوئهم إلى لغات أخرى لتقديم خطبهم، على نحو ما يلاحظ مثلا في منظمة اليونسكو وهيئة الأمم المتحدة. وقد تفاقمت هذه الظاهرة المؤسفة إلى حد جعل الأمين العام الأممي يثيرها، مستغربا ما يقع فيه هؤلاء المسؤولين من تناقض، حين يطالبون بجعل اللغة العربية لغة رسمية في المنظمة، ثم هم في الوقت نفسه يتخلون عنها؛ على الرغم من أن ترسيم هذه اللغة كلف الكثير لتحقيقه، سواء على مستوى التجهيزات أو المترجمين أو المطبوعات وما إليها من لوازم العمل”اهـ.

من كتابه الإصلاح المنشود (ص 150-154)

وسوم :

مواد ذات صلة

'