أنشطة وأخبار

(ترامب) .. وحبل بني إسرائيل

تاريخ النشر : 7/12/2017

عدد المشاهدات : 263


مذكرات بيت المقدس (4)

(ترامب) .. وحبل بني إسرائيل

 

بقلم: حماد القباج

إن ما تمارسه الحركة الصهيونية من إفساد؛ معظمه خفي بعيد عن وعي أكثر الناس، وبعضه ظاهر معلن يتمثل أولا بما ارتكبته وترتكبه هذه الحركة العنصرية ودولتها الإرهابية في حق الفلسطينيين؛

إن هذا الإفساد هو حلقة معاصرة في سلسلة عريقة من الفساد الذي قام به أفراد وطوائف من بني إسرائيل عبر تاريخ البشرية؛ بدأ بالتمرد على أنبياء الله وقتل بعضهم، ولم ينته بتحريف كلمات الله:

{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]

{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]

{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]

وبسبب هذا السجل الأسود من الجرائم والخيانات ونقض العهود؛ وتفشي ذلك بينهم بالإقرار وعدم الإنكار؛ ضربت على هذه الأمة الذلة والمسكنة:

قال الله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون} [آل عمران: 112]

لقد بينت هذه الآية الكريمة بأن الذلة لازمة لهم محكوم عليهم بها؛ فمعنى: “ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ“: جعلت ملصقة بهم؛ كالشيء يضرب على الشيء فيلصق به؛ ومنه تسمية الضريبة: ضريبة.

ومعنى الذلة: الذل والمهانة؛ بحيث يعيشون “أين ما ثقفوا“؛ -أي أينما وجدوا-؛  مستخفين ذليلين مهينين.

قال ابن عطية[1]: “وقوله: “ضُرِبَتْ” معناه: أثبتت بشدة والتزام مؤكد، وهذا وصف حال تقررت على اليهود في أقطار الأرض قبل مجيء الإسلام”.

قال في التحرير والتنوير (4/ 56): “والمعنى لا يسلمون من الذلة إلا إذا تلبسوا بعهد من الله، .. أو إذا استنصروا بقبائل أولي بأس شديد، وأما هم في أنفسهم فلا نصر لهم”.

ومعنى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون}

أي: “ضَرْبُ الذلة والمسكنة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة، كما هو معلل بكفرهم وقتلهم الأنبياء، فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى”[2].

ومع غلبة الفساد بينهم؛ فإن القرآن عادل في الحكم عليهم؛ ويشهد بوجود يهود أوفياء لعهد الإيمان وما يستلزمه من عبادة وصلاح وفعل للخير:

{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113، 114]

لقد بينت آية الحبل أن حال الذلة لازمة لبني إسرائيل “إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ“.

والحبل؛ معناه: العهد؛

قال المفسرون: “المراد من حبل الله: عهده، وإنما سمي بالحبل؛ لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفا، صار ذلك الخوف مانعا له من الوصول إلى مطلوبه، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه، فصار ذلك شبيها بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر”[3].

فاليهود مهضومو الحقوق؛ يلازمهم الذل والفقر (المسكنة)، ولا يتخلصون منهما ومن الخوف والرعب “إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ“؛ أي: إلا إذا التزموا بعهد الله؛ فتمسكوا بميثاق الإيمان والانقياد لأحكام الله الذي أخذ عليهم:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 83]

هذا المخرج الأول لهم من حال الذلة والمسكنة.

والمخرج الثاني: حبل الناس؛

وهو عهد تقدمه لهم قبائل أو دولة قوية؛ تضمن حقوقهم وتعدل فيهم؛ كما فعلت دولة الإسلام منذ تأسيسها؛ حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن معاملتهم ويقترض منهم، ويضمن حقوقهم المالية والقضائية (حقهم في التحاكم إلى شريعتهم)، وكذلك كانت سنة الخلفاء الراشدين معهم، وعليه درجت باقي دول الإسلام في العموم؛ ومنها: الدول التي تعاقبت على حكم المغرب؛ والتي قدمت نموذجا سياسيا ناجحا للمفهوم الشرعي للتعايش؛ مصداقا لقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

وكما أن بني إسرائيل لم يفوا بعهد الله وميثاقه؛ فإنهم أخلوا بعهدهم للدولة الإسلامية التي وفرت لهم من الأمن والأمان والسلام ما لم يجدوه في دولة أخرى؛ فخانوا هذا العهد بسبب ما تجذر في نفوسهم من حب الفساد والشر، وما غلب على سلوكهم من أنواع الظلم والعدوان بالمكر والخديعة ..

ومن هذا المنطلق عملوا بدهاء للإسهام في تمزيق وحدة المسلمين وإضعاف قوتهم؛ ووضع نظام عالمي يتمسكون في إطاره بحبل دول تجاريهم في سياساتهم العدوانية التي تتأسس على روح الكراهية وحب الانتقام الأعمى الظالم ..

وقد قام هذا النظام على أنقاض حروب لم تعرف لها البشرية مثيلا من قبل؛ في حجم دمارها وفداحة مخلفاتها ونتائجها التي لا زالت تفرز من أنواع الفساد والظلم والإرهاب الجماعي ما يندى له الجبين ..

ومن هذا الرحم النتن ولدت دولة بني إسرائيل المعاصرة التي تقيم ملكها الصوري على عهد ماكر؛ يوظف الإعلام والمال لخديعة الناس واستجلاب عاطفتهم بدموع التماسيح وفرو النعاج الذي يخفي جلد الذئب الماكر الفتاك ..

وبعد مرور 100 عام على حبل (عهد) بلفور الذي أعطى بموجبه من لا يملك من لا يستحق؛ شاهدنا أمس الأربعاء 6 دجنبر 2017: الرئيس الأمريكي (ترامب) يوقع عهدا يضفي شرعية زائفة ظالمة على احتلال دولة بني إسرائيل للقدس الشريف ..

ولقد كان ملفتا في مشهد توقيعه للقرار الظالم العدواني: رسالة التحدي وإرادة الإذلال التي يبدو أنه أراد إرسالها من خلال قسمات وجهه والطريقة التي وقع بها على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال والإرهاب ..

إن هذا الموقف الطافح بالظلم والعدوان ومشاعر الكراهية؛ يدفعني إلى تجديد توجيه النداء إلى ذوي الضمائر الحية من أبناء أمتنا بكل أطيافهم وانتماءاتهم؛ لمطالبتهم بإعادة النظر في تصوراتهم المتعلقة بالإسلام الحنيف وعقائده وتوجيهاته القرآنية والنبوية؛ وإعادة بناء المواقف بناء على تلك التوجيهات التي طال هجرنا لها وزهدنا فيها بمسوغات يتأكد بطلانها يوما بعد يوم؛ بما ترسخه في واقعنا من ذلة ومهانة يرقص على جراحها المعتدون على ضمير الأمة وحقوقها، من أمثال (دونالد ترامب) الذي طفت على وجهه ولسانه مشاعر الكراهية والحقد على هذه الأمة وتاريخها: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].

وهو بهذا يضرب بعرض الحائط خيارات: الجنوح إلى السلم، والتعايش المشترك، ويذكي نيران صراع الحضارات واصطدام الديانات ..

إن الاستمرار في سلوك النعامة والاختباء وراء ألفاظ جميلة يدوسها العدو بقدمه؛ لم يعد مجديا؛ بل إنه من أهم أسباب ما ضُرٍب علينا من ذل؛ سببه الأول والأساسي: قطع حبل الاستنصار بالله تعالى، وتطلب العزة والكرامة بطاعته والخضوع الإرادي لأمره ونهيه؛ وما يستلزمه ذلك الاستنصار من اتخاذ أسباب القوة السياسية والاقتصادية والتنموية والعسكرية  ..

وما لم نرجع للتمسك بذلك الحبل المتين؛ فإننا سنبقى رهائن لذلة يتلاعب فيها حفنة من البشر بأمة كانت خير أمة أخرج للناس لما كانت متمسكة بعهد الإيمان مرابطة على ثغر العدالة الإلهية ..

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) } وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)}  [سورة آل عمران]

[1]  المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 490).

[2]  محاسن التأويل (2/ 388).

[3]  تفسير الرازي (8/ 329).

وسوم :

مواد ذات صلة

قضية فلسطين وبيت المقدس في النبوة المحمدية

تاريخ النشر : 10/12/2017

عدد المشاهدات : 649

اليهود المحتلون وباب حطة

تاريخ النشر : 28/07/2017

عدد المشاهدات : 64

أنا واليهود المغاربة

تاريخ النشر : 13/10/2016

عدد المشاهدات : 239

'