أنشطة وأخبار

ليالي العامرية .. (1)

تاريخ النشر : 15/04/2017

عدد المشاهدات : 4173


ليالي العامرية .. (1)

 

(شهادة في حق العالم الجليل د عادل رفوش)

بقلم: حماد القباج

قال الله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283]

ليالي العامرية” جزء من أحد أعمالي الكتابية التي قطعت فيها شوطا تحت عنوان: “مذكرات دار القرآن الكريم“.

وكنت قررت تأجيل وقت نشر هذه المذكرات لاعتبارات معينة؛ لكنني رأيت اليوم أن المقتضي قام لنشر هذا الجزء منها:

يرجع تعرفي على الدكتور عادل بن المحجوب رفوش إلى صيف سنة 2002 لما كنت ألقي درسا أسبوعيا بدار القرآن الكريم بحي المسيرة كل يوم أحد ..

وكانت إدارة الدار قد برمجت درسا للشيخ عادل –يوم الأحد استثناء- بمناسبة رجوعه للعطلة الصيفية في السنة المذكورة ..

وكان موضوع الدرس هو: “فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم“.

فتناوله الشيخ بأسلوب جذاب، ومضمون غزير بالعلوم والمعارف المتنوعة؛ وكان أول ما خطر على بالي وأنا أتابع الدرس: ملاحظة الفرق الكبير بين ما اعتدت على سماعه من الدروس؛ وما أشاهد في درس هذا الشيخ الشاب ..

ومالي أذهب بعيدا؟

فأنا شخصيا اعتدت على إلقاء الدروس وأعرف ما معنى إعداد درس جيد وإلقاءه بأسلوب جيد؟

وكنت أعتقد أنني قطعت شوطا في طريق تطوير مهارتي في إلقاء الدروس ..

لكن لما تابعت درس الشيخ عادل أدركت أنني واهم؛ وأنني لا زلت من ذلك في أول الطريق !

وبدافع الإعجاب والحرص على المنافسة في الخير؛ جعلت أسأل عددا من قدماء شيوخ دار القرآن عن هذا الشيخ الشاب؟ وعن تكوينه العلمي؟

فقيل لي: هو أول وأنجب طلبة دور القرآن بمراكش من الأطفال؛ الذين حفظوا القرآن الكريم وجميع المتون التي تحفظ بدور القرآن، ثم رحل لطلب العلم منذ نحو 12 سنة ..

ومنذ ذلك اليوم وأنا أسأل عن أخبار هذا الشيخ الشاب؛ فسألت عنه مرة شيخي لحسن وجاج؟

فقال لي: ذاك شاب غير عادي.

فقلت متعجبا: ولم؟

فقال لي: كنت سجلته في المعهد السعودي الذي كنت أُدَرّس فيه بمدينة نواكشوط، فبدأ معنا الدراسة، ثم قال لي: يا شيخ ائذن لي بالذهاب إلى محاضر الصحراء الموريتانية لأدرس علوم اللغة والتفسير والأدب في محاضنها الأصيلة.

فقلت: أنت أحمق .. هذه الصحاري كثيرة الأخطار، والمحاضر لا تتوفر على ظروف العيش المريحة، وأنت شاب في مقتبل العمر؛ فكيف أسمح لك بهذا الأمر الذي قد يلومني عليه أقاربك؟

قال الشيخ وجاج: “لكنه ألحّ .. وذهب ومكث سنين يتنقل بين تلك المحاضر، ومع ذلك كله؛ أتم دراسته في المعهد، وانتقل ليكمل الدراسة الجامعية في المدينة المنورة”.

منذ هذه اللحظة أدركت أن التحصيل العلمي لهذا الشيخ يصعب أن يكون -بالنسبة لي- مناطا للمنافسة؛ وأن الأولى لي والأنفع؛ أن أجعله مناطا للاقتداء به في علو همته وشغفه الفريد بالعلم إلى درجة التضحية بالدنيا من أجله ..

(أذكر هنا أن الدكتور عادل من أسرة ذات مال وجاه في مدينة مراكش؛ وعادةُ أمثاله أنهم تتعلق نفوسهم بجمع المال والتمتع بالملاهي والشهوات؛ وأنا شخصيا لم يسبق لي أن رأيت شابا في الثانية عشر من عمره؛ يترك اللعب والملاهي والمسابح والسينما .. ويذهب يبحث عن العلم في صحراء جافة ..).

ومنذ ذلك الوقت وأنا أتحين فرصة لمجالسته والاستفادة منه؛ كما كانت عادتي ولا تزال مع كل من أرى أنه يحمل معرفة نافعة ..

وفي سنة 2006 بلغني أنه كان قد دخل بصفة نهائية إلى المغرب؛ وأنه افتتح مجلسا في مدارسة موسوعة فتح الباري؛ وكانت خاصة بأساتذة دور القرآن، وفي مقدمتهم شيخنا المربي فضيلة الأستاذ محمد زهرات حفظه الله تعالى.

فاتصلت بمنسق هذا المجلس وقلت له: لماذا لم تسجلني في هذه الدروس وأنت تعرف حرصي على مثلها؟

فوعد بتدارك الأمر؛ لكنه لم يفعل ..

وفي انتظار الفرصة؛ كنت أستفيد من دروسه النافعة الماتعة التي كانت تنشر في موقع جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة منذ تأسيسه سنة 2005؛ مثل: سلسلة “شرح مجمل اعتقاد السلف“، و”يا طالب الجنان“، و”سقيا من الكوثر” ..

لما صدر القرار الثاني بإغلاق دور القرآن التابعة لجمعية الدعوة إلى القرآن والسنة عام 2008؛ عقدنا في الجمعية مجلس طوارئ لمتابعة الوضع واتخاذ كافة أشكال النضال القانوني والحقوقي والسياسي والإعلامي ضد ذلك القرار الذي اعتبرناه قرارا خاطئا ..

وكان بيتي بحي أسيف هو مكان الاجتماعات اليومية التي كان يعقدها ذلك المجلس قبل أن تصير تلك الاجتماعات أسبوعية بالتناوب بين أطر وأساتذة الجمعية ..

فكانت هذه فرصة للتعرف على الشيخ عادل عن قرب؛ حيث كان يحضر تلك المجالس بانتظام ..

وهنا رأيت فيه فضائل أخرى ركّبها الله تعالى في شخصيته العلمية؛ منها: ثقافته العامة التي تجعله مشاركا في عدد من العلوم والمعارف من غير العلوم الإسلامية، ومنها: معرفته النافعة بعالم السياسة المعاصرة وما يتعلق بتدبير الشأن العام، ومنها: معرفته الواسعة بعالم المال والأعمال ..، ونحو ذلك من المعارف الهامة –بل الضرورية- للفقيه الذي يريد أن يشارك في تأطير واقعه وإصلاحه بالعلم الشرعي ..

(في نظري: لا يمكن للعالم أن يكون مصلحا إلا إذا توفرت فيه ثلاث صفات: الصلاح وفقه الواقع والاستقلالية).

لقد أتاحت لي تلك المجالس فرصة للاستفادة كثيرا من شيخنا عادل؛ فرأيت رجلا يسري العلم الشرعي في نفسه سريان الدم في العروق؛ وقد ألانه الله له كما ألان الحديد لسيدنا داود عليه السلام؛ من حيث استحضار معلوماته، وحفظ وضبط نصوصه وشواهده، ومعرفة المذاهب الفقهية، والاطلاع على دقائق اللغة العربية، وقوة الحجة ..

وفوق ذلك كله؛ ما يفتح الله له به من أنواع الاستنباط في كتاب الله تعالى؛ والتي كنت أجد صعوبة في حفظها وضبطها بينما كانت تنهمر كالغيث من السماء لدرجة أن لاحقها ينسيني سابقها..

قلت في نفسي ذات مرة: “سبحان الله .. مثل هذا الرجل نادر في مثل هذا الزمان؛ وهو أشبه ما يكون بالعين الجارية في واحة الصحراء”.

ومما لاحظته في تلك المجالس؛ أن الشيخ عادل كان مرجعا لجميع شيوخ ودعاة دور القرآن؛ وفي مقدمتهم شيخنا محمد زهرات وشيخنا عبد القادر دراري وشيخنا عبد الله البوغالي؛ فمن دونهم ..

وكان الشيخ عبد القادر يقدم الشيخ عادل لترأس المجلس فيرفض هذا الأخير ..

ويشهد الله أن الشيخين زهرات ودراري كانا كثيرا الثناء على الشيخ عادل والإشادة بتفوقه العلمي وبذله العلم والخير لإخوانه في تواضع ومودة ..

وكم كنت أتربى وأنا أرى شيخي محمد زهرات لا يمنعه سنه ولا صيته؛ من الجلوس متواضعا أمام الشيخ عادل واستفساره عن كثير من مسائل العلم الدقيقة؛ ومع أن موضوع لقاءاتنا اليومية ثم الأسبوعية كان هو النضال ضد قرار الإغلاق وترتيبات نقل أنشطة دور القرآن إلى البيوت ووضع برامج لتسييرها؛ مع ذلك كان الشيخ عادل لا يخلي مجلسا من تلك المجالس من الفوائد والنكت العلمية التي تحسرت على عدم تسجيلها بشكل منتظم بسبب كثرة تحملاتي في تلك الاجتماعات؛ والتي كانت تتوزع بين ما هو تعليمي وما هو إداري وما هو إعلامي وما هو حقوقي وما هو سياسي ..

وكنت أعتبر هذا عذرا لما يفوتني من الوقت لتوسيع معارفي وإثراء معلوماتي ..

ومما أشهد به في هذا الصدد؛ أنني كنت كثير التشاور مع الشيخ عادل في مهامي الجمعوية؛ ومنها مهمة تسيير الأنشطة النسوية ..

وهو ما سأحدثكم عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله ..

وسوم :

مواد ذات صلة

المعارضة السياسة للعلماء في التاريخ المغربي

تاريخ النشر : 11/09/2017

عدد المشاهدات : 278

فوبيا الإخوان ومقاومة الإخوانية

تاريخ النشر : 7/04/2017

عدد المشاهدات : 2480

التعاون بين الجماعات الإسلامية عند الشيخ الألباني

تاريخ النشر : 26/01/2017

عدد المشاهدات : 1811

من صمود بلعربي العلوي إلى صمود عبد الإله بن كيران

تاريخ النشر : 12/01/2017

عدد المشاهدات : 517

المدخلية وإشكالية القطيعة مع الحركة الإسلامية

تاريخ النشر : 31/12/2016

عدد المشاهدات : 1960

'