أنشطة وأخبار

دلالات الندوة الرسمية حول السلفية المغربية

تاريخ النشر : 15/04/2015

عدد المشاهدات : 914


بقلم: حماد القباج

في انتظار صدور أبحاث الندوة التي نظمها المجلس العلمي الأعلى يوم الخميس الماضي (2 أبريل 2015)؛ في موضوع: “السلفية تحقيق المفهوم وبيان المضمون”؛ من أجل تكوين نظرة متكاملة حول مضامينها؛

أود توثيق بعض الملاحظات التي أعتبرها دلالات يمكن استخلاصها من تنظيم هذه الندوة:

السياق السياسي من الإقصاء إلى الإدماج:

بعد تفجيرات 11 شتنبر في الولايات المتحدة الأمريكية؛ شرعت هذه الأخيرة في تطبيق برنامجها لفرض معالم الإسلام الذي تريده؛ إسلاما لا يهدد مصالحها الإمبريالية؛ لكونه مفرغا من جزء مهم من معانيه الإصلاحية، ومشحونا بحمولة علمانية تحيده عن مجال المدافعة ومواجهة ظلم وعدوان الذين يريدون السيطرة على العالم والهيمنة على شعوبه ..

في هذا السياق؛ تم استهداف المنهاج السلفي بصفته يشكل وعاء يحافظ على العقيدة الإسلامية البيضاء، وعلى التشريع الإسلامي بشموليته وضوابطه الأصولية التي تجعل مبادئه وأحكامه مواكبة للتطور البشري؛ ومؤطرة لسلوك الإنسان وتوجهاته في كل زمان ..

وتحت ضغط التهديد الفرعوني: “من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب”؛ اختار النظام المغربي الانحناء للعاصفة، واتخذت الدولة موقفا راديكاليا من مختلف التيارات السلفية؛ دون استثناء السلفية الوطنية التي أسهمت بشكل كبير في مقاومة الاحتلال والنضال من أجل الاستقلال!

واتجهت الشهادات والتقييمات والتحليلات الفكرية والصحافية؛ نحو شيطنة السلفية ومحاولة الخلط بينها وبين التيارات التكفيرية ..

وتبلورت نظرية: “السلفية تفرخ الإرهاب”؛ وفرع عليها بعض الباحثين؛ نظرية مفادها أن: “السلفية العلمية بريد نحو السلفية الجهادية”.

ووُظفت النظريتان لترسيخ إقصاء التيار السلفي، انتصارا لتيار الحداثة العلمانية ..

وهكذا جعلت تهمة الإرهاب مدخلا لتسويغ مصادرة حقوق النشطاء السلفيين، وتم ارتكاب تجاوزات أمنية وخروقات قانونية، وإغلاق مدارس وجمعيات في مقدمتها: دور القرآن الكريم.

وفي هذا الإطار؛ برز مشروع وزير الأوقاف الذي تم توظيفه لمحاولة تطويع المجال الديني للمشروع السياسي العلماني؛ بما يستلزمه ذلك من تكميم أفواه العلماء، ومحاولة فرض نموذج معين للتدين، وإقصاء كل خطاب ديني لا يلتزم حرفيا بالترويج لذلك النموذج ..

وقد تم توسيع دائرة الاستهداف لتشمل التيار السياسي (الإسلامي)، الذي وضعت الخطة لإقصائه تحت شعار: (ليس في القنافذ أملس)؛ وحدد عام 2012 لبرلمان خالي من أي حزب ذي مرجعية إسلامية، وصرح الاستئصاليون بأن المغرب في طريقه نحو النموذج العلماني التونسي ..

وفي أوج تغول هذا التوجه (العَلماأمريكي)؛ هبت رياح ما سمي بالربيع العربي؛ فبعثرت الأوراق وأربكت المخططات، واضطرت ذلك التوجه للتراجع خطوات إلى الخلف ..

وقد أدرك النظام المغربي ضرورة التخفيف من راديكالية ذلك التوجه الاستئصالي؛ لكونه يحمل في طياته مقومات تهدد الاستقرار وتخل بالسلم الاجتماعي ..

ومن هنا اتخذ موقفه الرافض لموجة الانقلاب على الإسلاميين؛ وعمل على ضمان احترام نتائج الاستحقاقات التي أشركتهم في جزء من السلطة ..

وبنفس الخلفية عمل على حل ملف معتقلي ما يسمى: السلفية الجهادية؛ وحقق في ذلك إنجازات تسهم في امتصاص روح التقاطب والاصطدام التي نفثها ذلك التوجه العلماني الراديكالي (نموذج: الشيخ الفيزازي من السجن إلى إلقاء خطبة الجمعة أمام الملك).

في هذا السياق؛ جاءت ندوة المجلس العلمي الأعلى في خطوة شجع عليها في نظري: تنامي

تيار سلفي وطني يتميز بخصائص؛ منها:

  1. الجمع بين الاهتمام الدعوي والاهتمام بالشأن العام والدعوة إلى المشاركة السياسية
  2. إنتاج خطاب يؤكد التمسك بالثوابت الوطنية، وعدم الاقتصار على خطاب المحافظة على الأمن والاستقرار
  3. ترجمة ذلك الخطاب إلى أفعال ومواقف وتصريحات تنمي سلوك المواطنة القائم على الانفتاح والتعايش، ونبذ العنف بكل أشكاله، والعمل من خلال مؤسسات الدولة والمجتمع.

انفتاح أم احتواء:

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة:

هل نعتبر هذا الموقف الرسمي؛ مجرد انفتاح على مكون وطني ومحاولة خلق توازن بينه وبين مكون آخر حاول استئصاله؟

أم أنه محاولة للتدجين والاحتواء؟!

كيفما كان الجواب نظريا؛ فإن الفاعل السلفي بإمكانه أن يسهم في الجواب العملي؛ بسلوكه ومدى قدرته على الجمع بين ترسيخ الاندماج المجتمعي والسياسي في إطار التعايش التوافقي، وبين التمسك بمبادئ السلفية الوطنية التي يمكن إجمالها في:

– الحرص على سلوك الوسطية والاعتدال وتقديم نموذج عملي لسماحة الإسلام

– الحرص على تجسيد شمولية رسالة الإسلام؛ عقيدة وأخلاقا وتشريعا

–  الجمع بين ترسيخ التدين القائم على التمسك بالنص والاعتصام بالقرآن والسنة من جهة، وتكريس دور الاجتهاد الشرعي في كل القضايا والنوازل المجتمعية من جهة ثانية

– الانطلاق من الكتاب والسنة في اعتماد عقيدة الإمام الأشعري ومذهب الإمام مالك وسلوك الإمام الجنيد رحمهم الله تعالى؛ قبولا لما وافق الوحيين وردا لما خالفهما

– ترسيخ مفهوم المواطنة الصادقة والمتينة؛ وما تستلزمه من: تعايش وتوافق وتعاون لمصلحة الوطن؛ استقرارا وأمنا وتنمية وازدهارا

– ترسيخ وتمتين، والعمل على استمرار اللحمة القوية بين الملك والشعب؛ باعتبارها من أعمدة الاستقرار السياسي والمجتمعي، وأداة قوية لتجاوز مختلف التحديات والعواصف
– الاهتمام بالشأن العام ومواكبة المشهد السياسي في بلدنا؛ دستورا وبرلمانا وقوانين وصحافة وشأنا محليا وجماعيا .. إلـخ.

– الانفتاح على النافع عند الأمم والأوطان الأخرى؛ لا سيما المشرق الإسلامي الذي يشكل منطلق وعمق الانتماء الإسلامي.

بين السلفية والوهابية:

إن ندوة الرباط؛ تمثل اعترافا رسميا بأن للمغرب سلفيته الأصيلة المرتبطة ابتداء بمذهب الإمام مالك الذي يعتبر عند الدولة مرجعا معترفا به.

ولم تزل هذه المدرسة الإصلاحية (السلفية) تتجدد في المغرب مع دول وتيارات وحركات تجديدية إصلاحية كان لها أثر في بناء الدولة وتأطير المجتمع.

وقد عملتُ على تتبع تلك المحطات الإصلاحية وتوثيقها في موسوعتي: “التجديد السلفي في المغرب منذ القرن الثاني عشر”؛ والتي صدر منها:

1 المدخل بعنوان: “السلفية في المغرب ودورها في محاربة الإرهاب”؛ طبع سنة 2007.

2 الجزء الخامس؛ المطبوع سنة 2014 تحت عنوان: “حياة شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي؛ العالم المفكر والمصلح المناضل”.

فالقول بأن السلفية دخيلة على الإسلام المغربي، وأنها مجرد سلعة تم تصديرها من طرف الدولة السعودية الراعية والمروجة للمذهب الوهابي؛ ادعاء يكذبه التاريخ الذي يثبت بأن المغرب عرف السلفية قبل أن تبلغه أصداء دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ..

وقد كشفت في الجزء الأول من الموسوعة المشار إليها؛ أن السلطان العالم المجدد سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله؛ دعا إلى الأصول السلفية ولمّا يسمع عن دعوة بن عبد الوهاب ..

كما وضحت في الجزء الثاني أن السلطان العالم مولاي سليمان بن محمد رحمه الله تعالى، عرف السلفية عن طريق والده، وعمل على تنزيل بعض مبادئها قبل توصله برسالة الملك سعود، وإرساله وفدا لمقابلته واستفساره عن حقيقة ما سمي بالدعوة الوهابية ..

ولا ينافي ذلك حقيقة تأثر السلفية المغربية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وباقي روافد السلفية المشرقية؛ بل هو أمر طبيعي ومنطقي بحكم وحدة المرجعية والاشتراك في كثير من المصادر ..

ومما يؤكد أصالة ووطنية السلفية في المغرب؛ أن علماءها تقدموا الصفوف في الحركة الوطنية ومعركة الاستقلال، وفي الممارسة الدعوية والسياسية والحركة الثقافية والأدبية ..
فلا مناص من الاعتراف بدورهم ورد الاعتبار لرموزهم، ولا بد لعلمائنا من العمل على استرجاع دور أسلافهم في المجالات المذكورة كلها ..

مع التأكيد بأن السلفية هي مدرسة منصهرة في الكيان العلمي والسياسي والدعوي المغربي الأصيل، وهي جزء من هويته الإسلامية.

فهي ليست جماعة أو طائفة؛ بقدر ما إنها منهاج ومدرسة لفهم النص الشرعي؛ تتأسس على قاعدة الكتاب والسنة، وتستنبط هدايتهما مسترشدة بأصول الاستنباط التي وضعها علماء السلف الصالح وتبلورت في علم أصول الفقه، وتمظهرت في مذاهب الفقهاء؛ وفي مقدمتها: مذهب الإمام مالك رحم الله الجميع ..

الندوة ونظرية “السلفية تفرخ الإرهاب”:

ندوة الرباط في نظري؛ شهادة رسمية على عدم صحة هذه النظرية؛ لا سيما البحوث التي برهنت على دور السلفية المغربية البارز في مكافحة الغلو والتطرف، وفي خدمة الاستقرار والسلم الاجتماعيين ..

وهو ما كنت أبرزته في دراستي المتقدم ذكرها “السلفية في المغرب ودورها في محاربة الإرهاب”؛ والتي بينت فيها ضرورة كشف تلبيس المصطلحات المستعملة في الباب، والتي حاول مناصرو تلك النظرية توظيفها لإثبات نظريتهم:

ف”عقيدة الخوارج” و”فكر التكفير”: هما مصدرا التوجهات التي تتبنى العنف الديني عند المسلمين ..
والسلفية -في تاريخ الأمة وواقعها- هي أقوى جبهات المقاومة لتلك التوجهات، وهي الأقدر علميا وفكريا على ممارسة نقد قوي وموضوعي لإفرازات المصدرين المذكورين.

شرحت هذا المعنى بالتفصيل والتدليل ..

كما انتقدت مصطلح “السلفية الجهادية” وما ينطوي عليه من تلبيس وتدليس من أجل التوظيف السياسي المشار إليه.

ومن خلال هذا المدخل؛ برهنت على أن الجهاد بصفته لفظا شرعيا تتعلق به معاني وأحكام؛
وأن السلفية بصفتها مصطلحا علميا منضبطا؛

لا يمكن اعتبارهما مصدرا للعنف والإرهاب ..

مع التأكيد على أن هذا الاستنتاج؛ متعلق بالسلفية باعتبارها منهاجا يرسخ الاعتصام بالكتاب والسنة، والأصول الشرعية للاستنباط التي أصّلها علماء السلف الصالح، وتبلورت في علم أصول الفقه؛

وليس مرتبطا بالتيارات والأفراد المنتسبين لذلك المنهاج؛ فإن هؤلاء يتفاوتون في نسبة المصداقية في ذلك الانتساب؛ ومن هنا نجد البعض يدعي هذه النسبة الشريفة وهو متلبس بأنواع من الغلو؛ وأخطرها: التكفير وشرعنة ممارسات التخريب والتدمير ..
ومعلوم أن المنهاج لا يحكم عليه بأخطاء المنتسبين إليه؛ لا سيما أن واقع السلفية يشهد بوجود اختراقات عملت على إلصاق تهمة الإرهاب بتيارات سلفية؛ وفي ذلك أحداث معروفة في عدد من الدول (أستحضر هنا: فضيحة تونس لما تم ضبط شاحنة محملة باللحى تتجه نحو جبل كان يتحصن فيه مجهولون يراد وصفهم بالإرهابيين، كما أذكر بتحقيق قناة الجزيرة الذي كشف تورط أجهزة استخباراتية في تسخير أحد موظفيها لتدبير اغتيال اليساري شكري بلعيد ونسبة ذلك للتيار السلفي).

وسوم :

مواد ذات صلة

المدخلية وإشكالية القطيعة مع الحركة الإسلامية

تاريخ النشر : 31/12/2016

عدد المشاهدات : 2010

العلاقة بين عيسى ومحمد عليهما السلام

تاريخ النشر : 27/12/2016

عدد المشاهدات : 910

لا لأخونة الدولة والمجتمع .. والمقبرة

تاريخ النشر : 20/10/2016

عدد المشاهدات : 5911

السلفية في المغرب

تاريخ النشر : 17/02/2016

عدد المشاهدات : 674

جاري البودشيشي 1

تاريخ النشر : 26/12/2015

عدد المشاهدات : 1777

من يقف وراء الترويج لفتنة التيار المدخلي في المغرب؟

تاريخ النشر : 25/11/2015

عدد المشاهدات : 2231

'