أنشطة وأخبار

حرية التعبير في الإسلام

تاريخ النشر : 28/01/2015

عدد المشاهدات : 582


ضمن التشريع الإسلامي لكل فرد حقه في إبداء رأيه، والتعبير عنه، ونشره دون خوف عقاب أو تحكم.

وقد استفاضت أدلة ذلك في الكتاب والسنة، وطبقه السلف الصالح، وظل هذا الحق محترما مصونا، حتى أن الناس كانوا يمارسونه مع أعلى سلطة سياسية، فينصحون الحاكم إن ظهر في قوله أو فعله ما يرون أنه مخالف للحق والعدل.

وأقر الخلفاء الراشدون ذلك، بل أمروا به.

وقد كان الناس على عهد عمر بن عبد العزيز، يتناقشون في مجلسه عن أمور الدين والدنيا، ويبدون آراءهم بكل حرية وصراحة وصدق.

ومن هنا؛ أقر الإسلام الحرية العلمية في أوسع نطاق، ولم يعارض أية نظرية علمية معينة بصدد أية ظاهرة من ظواهر الكون، وأتاح للعقول وللأفكار حرية التفكير والتعبير، وحث الناس على استعمال عقولهم وأبصارهم، ومداومة النظر والفكر، فيما يحيط بهم من مخلوقات الله وعوالمه.

وفي هذا الباب أيضا؛ شرع الإسلام مبدأ الاجتهاد، الذي كان مظهرا من مظاهر حياة الأمة الإسلامية، وباعثا على تجددها وتطورها، وهو حق لكل مؤهل أن يجتهد ويستنبط الأحكام من أصولها وأدلتها، ويجهر بما انتهى إليه، حيث أقر الإسلام احترام رأي المجتهد ولو كان مخطئا، وضمن له الأجر على اجتهاده.

ومن الملفت للانتباه؛ أن القرآن الكريم نقل أقوالا وتعبيرات من جميع الأصناف؛ من أقوال إبليس إلى أقوال فرعون؛ كقوله: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين}[القصص: 38].

كما أن السيرة النبوية مليئة بالأقوال والتعبيرات التي صدرت بالحق أو بالباطل، على مواقف وتدابير ارتآها أو أمضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بعضها أحيانا يتسم بالخشونة وقلة الأدب، ولم يكن عليه السلام يواجهها إلا بالرفق والصفح وسعة الصدر، وتصحيح الخطأ وتقويم الاعوجاج، كما هي طريقة القرآن مع الأقوال الخاطئة؛ ومن الأمثلة على ذلك: ما جرى في صلح الحديبية ..

وفي هذا المجال أيضا يتميز الإسلام بأنه لم يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حقا فحسب، بل فرضا وواجبا ..

وهكذا؛ أوجب التشريع الإسلامي على الناس –رجالا ونساء-؛ أن يأمروا الناس بالخير والحق، وينهوهم عن المنكر والشر:

{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}.

من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان“. [رواه مسلم]

وقد اعتبر الإسلام التزام الصمت، والموقف السلبي من الشر والمنكر، وعدم محاولة كفه ومنعه، اعتبره ذنبا عظيما؛ لذلك ذكر القرآن أن سبب لعن بني إسرائيل، هو عدم تناهيهم عن المنكر: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه}.

يقول العلامة ابن عاشور في بيان أن صفة الحرية كلها، وضمنها حرية القول؛ صفة فطرية وضرورية لكل تقدم بشري:

“إن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية، فيها نماء القوى الإنسانية، من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق”.

ضوابط حرية التعبير وقيودها:

لا يُعرف عالم ولا مفكر ولا فيلسوف، ولا تجمع بشري، مهما بلغ تطوره الفكري؛ يبيح حرية التعبير بدون ضابط ولا قيد.

بل جميع النظم السياسية تفرض على حرية التعبير؛ قيودا وضوابط كي لا تنقلب فوائدها إلى مضار ومصالحها إلى مفاسد ..

وإذا كان الباري تعالى كرم الفرد بإعطائه حريته، وأمر بصيانة حرمته، وعدم الإخلال بها، فإنه في الوقت نفسه؛ جعل هذا الفرد في وسط مجتمع، دعاه إلى احترامه والتعاون معه، وعدم الإساءة إليه، فيجب أن لا تصطدم حرية الفرد، بمصالح المجتمع، ويجب أن لا تسيء حرية الفرد، لقيم ومقدسات المجتمع، لأنه إذا ما تعارضت حرية أفراد المجتمع مع بعضها بعضا، فإن الخلل يدب إلى المجتمع كله، فتضيع حقوق الفرد والمجتمع جميعا.

ومن هنا كان لا بد من وضع قواعد، توضح معنى حرية الفرد، حتى لا تصطدم مع مبادئ ومصالح مجتمعه، وحتى يكون التعاون وثيقا بين أفراد المجتمع، فلا يتعدى فريق على فريق، ولا يضر فرد بمجموع، ولا مجموع بفرد.

إن تشبث مجتمعاتنا الإسلامية بقيمها الدينية، وحرصها على الالتزام بها، والسير في حياتها وفق مراميها، تفرض على الآخرين أن يحترموها، وأن لا يعرضوها للهوان، بدعوى حريتهم الشخصية[1].

وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين ضابطا جامعا مانعا في هذا الباب: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت“. [متفق عليه]

وكأن هذا التوجيه الحكيم موجه إلى الشعراء المبالغين، وإلى الصحافيين المتحاملين، وغيرهم من تجار الكلمة؛ أن يتقوا الله في مصالح الناس وشؤونهم ومبادئهم، وفيما يكتبون وما يرجون.

إنها أمانة الكلمة التي ارتقى بها الإسلام إلى درجة المسؤولية والمحاسبة: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم». [متفق عليه]

قال ابن عاشور: “لا تتحقق حرية تامة في نظام البشر؛ لأن تمام الحرية هو الانخلاع عن جميع القيود، وعن كل مراعاة للغير؛ بأن يعيش المرء عيشة الوحوش، وذلك غير مستطاع إلا فيما تخيله الشنفري إذ يقول:

ولي دونكم أهلون سِيدٌ عَمَلَّسٌ …   وأرقط زهلول وعرفاء جيأل

هم الأهل لا مستودع السر ذائع … لديهم ولا الجاني بما دان يعزل

[السيد: الذئب، والعملس: السريع السير، والأرقط: النمر، والزهلول: الأملس، والعرفاء والجيأل: الضبع]

فأما والإنسان مدني بطبع خلقته، محتاج إلى الاتصال ببني نوعه؛ لأنه ضعيف محتاج في قوام أمره إلى التعاون؛ فالحرية المطلقة تنافي مدنيته؛ فتعين أن الحرية المحمودة التي دعا إليها الإسلام والحكماء هي حرية مقيدة لا محالة”[2].

إن الإسلام دين الله الخالق الخبير الأعلم بما يصلح الإنسانية؛ فلم يكن من المستساغ أن يشرع لعباده حرية التعبير دون قيود؛ بل أحاطها بسياج من الضوابط التي تحمي الإنسان من أن يتحول سلوك حرية التعبير؛ إلى وحش يمزق تصوره وأخلاقه وعلاقاته، والتجمع البشري الذي ينتمي إليه.

قال ابن عاشور[3]:

“إذا تبينتَ ما تقدم من البيان في أنحاء الحرية تبيُّن الحكيم البصير؛ علمت أن الإسلام بذل للأمة من الحرية أوسع ما يمكن بذله في الشريعة، جامعة بين أنواع المصالح بحيث قد بلغ بها حدا لو اجتازته لجر اجتيازها إياه إلى اختلال نظام المدنية بين المسلمين، أو بينهم وبين الأمم المرتبطة بهم اختلال قويا أو قليلا، وذلك الاختلال قد يفضي إلى نقض أصولها، وامتشاق السيوف؛ لتمزيق إهابها.

ومن القواعد المقررة في الحكمة: أن “لا عبرة بوجود يفضي إثباته إلى نفيه”.

ومن القواعد في أصول التشريع الإسلامي: أن “المناسبة التشريعية لا تعتبر مناسبة إلا إذا كانت غير عائدة على أصلها بالإبطال”؛ وأنها “تتخرم إذا لزمها مفسدة راجحة أو مساوية”.

وبقول راجح أقول: إن ما يتجاوز الحدود التي حدد الشرع بها امتداد الحرية في الإسلام؛ لا يخلو عن أن يكون سبب فوضى، وخلع للوازع بين الأمة، أو موجب وهن ووقوع في إشراك غفلة ومهاوي خطل سياسي، وتفصيل ذلك يحتاج إلى تحليل وتطويل لا يعوز صاحب الرأي الأصيل”اهـ.

[1] انظر: “المجتمع الإسلامي في مواجهة التحديات الحضارية الحديثة” ص: 165.

[2] مجلة الهداية الإسلامية؛ المجلد السادس، ربيع الأول 1353 هـ

[3] المصدر نفسه.

وسوم :

مواد ذات صلة

العلاقة بين عيسى ومحمد عليهما السلام

تاريخ النشر : 27/12/2016

عدد المشاهدات : 920

الإسلام والبيئة – مصطفى بنحمزة

تاريخ النشر : 10/11/2016

عدد المشاهدات : 254

جاري البودشيشي 1

تاريخ النشر : 26/12/2015

عدد المشاهدات : 1797

لماذا لا يأخذ المغرب برؤية الدول الإسلامية الأخرى؟

تاريخ النشر : 9/06/2015

عدد المشاهدات : 563

إجابة السائل عن حكم صيام المرضع والحامل

تاريخ النشر : 9/06/2015

عدد المشاهدات : 765

دلالات الندوة الرسمية حول السلفية المغربية

تاريخ النشر : 15/04/2015

عدد المشاهدات : 918

'