أنشطة وأخبار

جاري البودشيشي 5

تاريخ النشر : 28/01/2016

عدد المشاهدات : 925


جاري البودشيشي

(قصتي مع الطريقة البودشيشية)

الحلقة الخامسة

بقلم: حمّاد القباج

لذة حفظ القرآن وطلب العلم:

في آخر الموسم الدراسي (1994 / 1995) قررت الانقطاع لطلب العلم مسترشدا بتوجيهات معلمي ومفيدي الأستاذ جعفر بوهلال جزاه الله عني خيرا؛ الذي أرشدني إلى ما ينبغي حفظه من متون وقراءته من كتب ..

وقد كان يتردد علي في البيت بشكل شبه يومي؛ فأستظهر عليه ما أحفظ، ويعلق ببعض الشرح الذي كان يُحٓضّره من الشروح المعروفة لتلك المتون ..

ثم منّ الله علي بشيخي المقرئ توفيق العبقري الذي شرعت أقرأ عليه ختمة برواية ورش من طريق الأزرق ..

وكان يلتزم بالمجيء عندي كل يوم جمعة؛ حيث أستظهر عليه حزبا كاملا ..

بل كان أحيانا يأخذني إلى بيته ليدفع عني ملل البقاء في البيت الأيام والليالي الطوال ..

ويكرمني ويشعرني أنني مثل باقي الطلبة؛ بل قد أتفوق عليهم وإن كنت معاقا في حركة جسدي ..

وهنا أدركت كيف يمكن أن أحقق أفضل مما كنت أطمح إليه؛ بالعلم واستغلال ما بقي لي مما لم يعطله المرض ..

وقد كان شيخي يقول لي: “أنت وإن فقدت يديك ورجليك؛ فقد بقي لك عقل يمكن أن تفعل به الكثير”.

وبين بيتي وبيته؛ شرعت في دراسة الددر اللوامع عليه حفظا وشرحا بشرح النجوم الطوالع ..

وَمِمَّا نفعني الله به من أحوال الشيخ: سمته وورعه ..

وكذا همته؛ فقد كان له ورد في حفظ موافقات الإمام الشاطبي رحمه الله؛ وهو ما حبب إلي ذلك الكتاب العظيم الذي كان يتحفني بنفائس منه جعلتني أرغب في قراءته، وأعرض عليه ما استشكل علي فهمه ..

وقد أعانني هذا بعد ذلك في تأليف كتابي: “الاستبصار والتؤدة” في أقل من شهر بفضل الله تعالى.

ثم انقطع عني ذلك الخير؛ بسبب اضطرار شيخي إلى السفر ليكمل دراسته لنيل الدكتوراه ..

وموقف هذا المعلم المبارك؛ يؤكد أن الشيخ قد يؤدي دوره في التوجيه والتربية والتعليم دون الحاجة إلى تقديسه أو الارتباط به بشكل فيه غلو واعتقادات غير مشروعة ..

السيرة النبوية:

بينا أنا في حزن وهم بسبب انقطاع دراستي على شيخي؛ اقترح علي الأستاذ جعفر أن يطلب من بعض الإخوة مساعدتنا لحضور دروس الشيخ محمد زهرات في السيرة النبوية التي كان يلقيها بدار القرآن الكريم بحي بوكار؛ وكان العائق هو كثرة السلالم (الدروج)!

فتعاون بعض الإخوة جزاهم الله خيرا؛ وكانوا يحملون عربتي نزولا وصعودا ..

وهنا عشت مع شيخي زهرات أياما هي من أحلى أيام حياتي؛ حيث كان يحلق بِنَا في سماء السيرة العطرة لأعظم إنسان مشى على البسيطة؛ بأسلوب رائع رائق يعمق في نفوسنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وحب الاقتداء به ..

وهذه هي المشيخة الصحيحة؛ التي تربط المريد بسيرة أشرف الخلق؛ وتبني تدينه على هديه؛ فيصلي صلاته ويستن بسنته ويقتدي بهديه في ذكر الله وعبادته وتعامله ..

ثم حصل حدث عارض فيه درس وعبرة:

بعد انتهاء الدرس في إحدى الليالي الباردة؛ لم أجد من يصحبني إلى البيت!!

وبالكاد قبل بعض الإخوة -الذين لا أعرفهم- أن يحملوا عربتي إلى الأعلى (مدخل دار القرآن) ..

وكلما طلبت من أحد أن يدفع بي العربة؛ يقول: أنا ذاهب في الاتجاه الآخر!!!

فبقيت أمام دار القرآن وحيدا في برد قارس، وظنت الوالدة أن أحدهم اصطحبني إلى بيته لمجلس درس أو وليمة كما حصل سابقا ..

فلما رجع أبي من حصة غسل الكلي في منتصف الليل؛ هرول فوجدني أمام دار القرآن؛ فغضب غضبا شديدا وأقسم أن لا أرجع ..

ثم رجعت بعد أن تيسر لي من يلتزم بمرافقتي ذهابا وإيابا؛ وهما الأخوان لطفي وعماد جزاهما الله خيرا ..

وبسبب التزامهما؛ تمكنت من إضافة حصة أخرى إلى حصة السيرة؛ ألا وهي حصة شرح بلوغ المرام عند شيخي ومفيدي الأستاذ الطيب ذي الأخلاق العالية: عبد القادر دراري الذي شرح لنا كتاب الطهارة من البلوغ جزاه الله خيرا ..

وكانت هذه الدراسة سببا في حفظي لنصف أحاديث الكتاب، بعد أن كان الأستاذ جعفر سببا لحفظ أحاديث رياض الصالحين ..

وهل ثمة منهج لتلقي الدين؛ خير من تلقين كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

والحق يقال:

عشت في سنوات 95-96-97-98 أفضل أوقات حياتي؛ حيث كنت ألتهم الكتب قراءة وأحفظ ما استطعت من معلومات ..

جاري مرة أخرى:

في خضم تلك الأوقات المباركة في طلب العلم؛ بدأت العلاقة مع جاري وإخواني البودشيشيين تتحول من علاقة تلقي وامتثال إلى علاقة نقد ومراجعة ..

وَمِمَّا أجابني به جاري مرارا؛ قوله في رد اعتراضاتي: “العلم علمان: ظاهر وباطن .. وأنت تعلمت قليلا من علم الظاهر؛ أما سيدي حمزة فعنده العلم اللدني الذي يجعله يرى ما لا نرى”!

وَمِمَّا يؤسف له أن إخواني يعتقدون في الشيخ أنه يعلم الغيب!

ولهم في ذلك قصص كثيرة كانوا يبهروننا بها؛ من قبيل أن كثيرا ممن قصدوا الشيخ لحل بعض المشاكل؛ أخبرهم الشيخ بمرادهم قبل أن يطلعوه عليه، ويقول لهم: ارجعوا فإن حوائجكم قد قضيت ..

وكم علقت الأمل بهذه الكرامة لما كنت أتشوف لزيارة الشيخ ليرد لي ببركته يدي التي أبطش بها ورجلي التي أمشي بها!

ثم أنقذني الله ببركة العلم الذي جعلني أدرك خطر ذلك الغلو في الشيخ، وخطأ ما يظنه الصوفية من كون العلم يتضمن علوما ومعارف وأحوال يمكن تلقيها عن الله مباشرة وإن بدى فيها ما يخالف العلم الظاهر!

ويقولون: الولي في هذه الأمة مع نبيها صلى الله عليه وسلم؛ مثل الخضر مع موسى عليهما السلام!!

وهذا هو المدخل الذي دخل منه بعض زنادقة المتصوفة لادعاء سقوط التكليف عمن وصل درجة معينة من الكشف!!!

العلم اللدني:

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

“يشير القوم بالعلم اللدني إلى ما يحصل للعبد من غير واسطة، بل بإلهام من الله، وتعريف منه لعبده، كما حصل للخضر عليه السلام بغير واسطة موسى، قال الله تعالى: {آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} [الكهف: 65] .

وفرق بين الرحمة والعلم؛ وجعلهما من عنده ومن لدنه إذ لم ينلهما على يد بشر، وكان من لدنه أخص وأقرب من عنده ولهذا قال تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80]

فالسلطان النصير الذي من لدنه سبحانه: أخص وأقرب مما عنده.

ولهذا قال تعالى {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] .

وهو الذي أيده به.

والذي من عنده: نصره بالمؤمنين، كما قال تعالى {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 62].

والعلم اللدني ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، وكمال الانقياد له؛

فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وقد سئل هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟- فقال: “لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه“.

فهذا هو العلم اللدني الحقيقي، وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتقيد بهما: فهو من لدن النفس والهوى، والشيطان؛ فهو لدني. لكن من لدن من؟

وإنما يعرف كون العلم لدنيا رحمانيا: بموافقته لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل.

فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني، ولدني شيطاني بطناوي.

والمحك: هو الوحي. ولا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد، وكفر مخرج عن الإسلام ..

والفرق: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته، ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه.

ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم.

ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين؛ فرسالته عامة للجن والإنس، في كل زمان.

ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام، فإنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

فمن ادعى أنه مع محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة؛ فليجدد إسلامه، وليتشهد شهادة الحق؛ فإنه بذلك مفارق لدين الإسلام بالكلية.

فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله. وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه”اهـ.

[من مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 445-446)]

قلت: وهل ثمة مخالفة للكتاب والسنة أوضح من ادعاء علم الغيب واطلاع الولي على اللوح المحفوظ؛ كما نسب ذلك الأستاذ عبد السلام ياسين لشيخ الطريقة البودشيشية؟؟!

قال أبو سعيد الخراز: “كل باطن يخالفه الظاهر فهو باطل“.

وقال ابن عطاء: “من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة؛ لا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه“.

وقال: “كل ما سألت عنه فاطلبه في مفازة العلم، فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة، فإن لم تجده فزنه بالتوحيد؛ فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة؛ فاضرب به وجه الشيطان[1].

[1]  مدارج السالكين (2/ 436).

وسوم :

مواد ذات صلة

أين تكمن خطورة جماعة فتح الله كولن؟

تاريخ النشر : 19/07/2016

عدد المشاهدات : 6034

الإستقامة في ضوء الكتاب والسنة

تاريخ النشر : 25/04/2016

عدد المشاهدات : 284

ربع قرن في صحبة الإمام الددو

تاريخ النشر : 16/03/2016

عدد المشاهدات : 919

ورقات توثيقية لزيارة الشيخ الألباني للمغرب

تاريخ النشر : 1/03/2016

عدد المشاهدات : 2134

سجال حول السلفية والحركة الإسلامية

تاريخ النشر : 1/03/2016

عدد المشاهدات : 968

رسالة مفتوحة إلى الأستاذ رفيقي

تاريخ النشر : 16/02/2016

عدد المشاهدات : 4844

'