أنشطة وأخبار

المساواة والتفاضل بين الجنسين في الإسلام

تاريخ النشر : 16/02/2015

عدد المشاهدات : 335


   وضع الإسلام قاعدة عظيمة في هذا الباب من خلال قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}الحجرات13

وقال النبي (عليه الصلاة والسلام) مبينا هذه الآية: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»[1]

وفي حديث آخر: «الناس رجلان، بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه»[2].

فهذه النصوص تبين أن الناس -رجالا ونساء- متساوون في إنسانيتهم،وإنما يحصل تفضيل بعضهم على بعض بسبب أفضليته في تقواه لخالقه لا بسبب تميُّزه في الجنس أو اللون أو القوة…،أو نحو ذلك.

ولهذا فإننا منهيون عن التمييز بين الناس في معاملتهم بسبب كون بعضهم أفضل من بعض في هذه الأشياء:

فلا نكرم هذا لأنه عربي ونهين هذا لأنه أسيوي، ولا نحترم هذا لأنه غني ونحتقر هذا لأنه فقير، ولا نحب هذا لأنه أبيض ونكره هذا لأنه أسود.وهكذا لا نكرم هذا الشخص لأنه رجل ونهين هذا الشخص لأنه امرأة…

والله سبحانه وتعالى لا يثيب هذا الإنسان ويكرمه لأنه رجل،ويحرم آخر ويهينه لأنه امرأة؛ ولذلك أنوثة آسية ومريم وعائشة وأم الدرداء لم تمنع من تكريمهن حين اتصفن بالتقوى.

وذكورة فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب وكعب بن الأشرف… لم تمنع من إهانتهم لما اتصفوا بالكفر والفجور…

قال العلامة ابن تيمية: “ولا يجوز أن يقال: فالأنوثة مانع من لحوق الوعد، أو الذكورة شرط… فلم يثبت أن الذكورة شرط ولا أن الأنوثة مانع، كما لم يقتض أن العربية والعجمية والسواد والبياض لها تأثير في ذلك”.[3]

قال سبحانه: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}النساء124

وقد ظهر أثر هذا التوجيه الشرعي جليا في المجتمع النبوي:فإن بلالا رضي الله عنه لم يميز عن باقي الصحابة للونه،بل ثبت له ما ثبت للصحابة من فضائل وجاءت أحاديث في فضله خاصة، وهكذا صهيب لم يميز عن غيره من الصحابة لكونه روميا،ولا ابن مسعود لكونه فقيرا، ولا أم أيمن لكونها امرأة…

قال الشيخ تقي الدين الهلالي المغربي:”والحق أن الفضل بيد الله لا يثبت بالذكورة ولا بالأنوثة، وإنما يثبت بالعمل والخلق الحسن، والعرب تقول: الرجل خير من المرأة، والتمرة خير من الجرادة، وليس مقصودهم بذلك أن كل رجل خير من كل امرأة، ولا أن كل تمرة خير من كل جرادة، وإنما يريدون تفضيل الجنس، فجنس الرجال أقوى وأقدر على الأعمال من جنس النساء، وهذا هو المراد بالتفضيل. ورُبّ امرأة أفضل من كثير من الرجال كفاطمة وخديجة وعائشة وقبلهن آسية ومريم. ولذلك قال المتنبي في رثائه لأخت سيف الدولة:

                         وما التأنيث لاسم الشمس عيب       ولا التذكير فخر للهــلال

                         ولو كان النساء كمن فقدنـا       لفضلت النساء على الرجال”[4].

فالإسلام يسوّي بين الرجل والمرأة في الإنسانية وعلة الإيجاد والتكليف والجزاء.وأنوثة المرأة لا تجعلها في ذلك دون الرجل،بل هي مساوية له في الأصل.

غير أن هذا لا يمنع من التفريق بين الجنسين في جانب التشريع والأحكام[5]: فالفروق الفيسيوليوجية (الجسدية) والبسيكولوجية (النفسية) بينهما، بالإضافة إلى اختلافهما التكاملي في الوظيفة الاجتماعية، هذا كله يجعل التفريق بينهما في كثير من الأحكام أمرا ضروريا.

وهنا وضعت الشريعة الإسلامية-أيضا- قاعدة عامة من خلال حديث: «النساء شقائق الرجال»[6] وهذا العموم،عموم مخصوص؛ فكل حكم ثبت للرجل ثبت للمرأة ما لم يرد دليل يبين افتراقهما:

قال العظيم آبادي: “إنما النساء شقائق الرجال: قال ابن الأثير: أي نظائرهم وأمثالهم، كأنهن شُقِقن منهم ولأن حواء خلقت من آدم، وشقيق الرجل أخوه لأبيه وأمه، لأن شقّ نسبه من نسبه…، قال الخطابي: وفيه من الفقه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير، فإن الخطاب إذا ورد بلفظ المذكر كان خطاباً للنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها”[7].

فمما تساويا فيه من أحكام –على سبيل المثال-:وجوب طلب العلم،ووجوب الصلاة والصيام،ومشروعية التملك،واختيار الزوج،وبعض صور التوارث.

ومما اختلفا فيه:حكم الجمعة والجهاد،وحكم الحجاب،واشتراط الولي في النكاح،وإيقاع الطلاق، وبعض صور التوارث أيضا…

ومن النصوص التي عالجت قضية المساواة والتفاضل بين الجنسين قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} النساء32

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:” يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو, ولنا نصف الميراث‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍فأنزل الله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}النساء32

فأم سلمة تمنت لو حصل التساوي بين الرجال والنساء في الجهاد (وهو من الواجبات) والميراث (وهو من المستحقات) فنزلت الآية ناهية عن هذا التمني،ومبينة أن الله تعالى في شرعه يفرق في مواطن بين الرجال والنساء لحِكم بالغة ندرك بعضها ويخفى علينا البعض لقصور علمنا وكمال علم الله تعالى.

ومما أدركناه من الحكمة،أن التفريق بين الجنسين في كثير من الأحكام إنما هو بسبب الفروق المختلفة والعميقة بينهما في الخَلق والوظيفة، والتفريق في هذه الأحكام هو العدل، والمساواة هي الظلم.

قال العلامة محمد رشيد رضا: “وعلة التخصيص وحكمته طبيعة كل من الزوجين الذكر والأنثى، ووظائفه المنوطة به التي يكون بها كل من الجنسين متمما ومكملا للآخر في تناسل النوع وترقية شؤونه، فيكون الرجل رجلا قائما بشؤون الرجال؛ والمرأة امرأة قائمة بشؤون النساء، بالتعاون الذي يشعر به كل منهما أنهما يكونان حقيقة واحدة يعمل كل منهما لحفظها كالأعضاء من جسد كل منهما” انتهى كلامه.[8]

وكما جاء النهي عن تمني النساء ما اختص به الرجال، أو تمني الرجال ما اختص به النساء، فقد جاء النهي الشديد عن تشبه الرجل بالمرأة أو العكس:

عن ابن عباس قال: “لعن رسول الله (عليه الصلاة والسلام) المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات بالرجال من النساء”.[9]

بل جاء النهي الشديد عن تشبه أحدهما بالآخر ولو على مستوى الظاهر:

عن أبي هريرة قال:”لعن رسول الله (عليه الصلاة والسلام) الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل”.[10]

قلت: وهذا كله للإبقاء على الشخصية المتميزة لكل منهما، إذ السير الصحيح السليم للمجتمع الإنساني يقتضي ذلك.

يقول أحد العلماء:”وإذا نظرنا إلى جنس انقسم إلى نوعين فيجب أن نقول إنه لم ينقسم إلى نوعين إلا لأداء مهمتين، وإلا لو كانت المهمة واحدة لظل الجنس واحدا، ولم ينقسم إلى نوعين؛فالليل والنهار نوعان لجنس واحد هو الزمن، وهذا التنوع أدى إلى أن يكون لليل مهمة هي السكن،وأن يكون للنهار مهمة هي السعي والكدح، والرجل والمرأة بهذا الشكل نوعان لجنس هو الإنسان فكأن هناك أشياء تطلب من كل منهما كإنسان، وبعد ذلك أشياء تطلب من الرجل كرجل ومن المرأة كامرأة”.

وبهذا يظهر أن ما أرشدت إليه شريعة القرآن والسنة في هذا الباب هو الحق والصواب؛حيث ضبطت مسألة المساواة والتفاضل بين الجنسين بميزان العدل والقسطاس المستقيم،وجعلت المساواة بينهما تكاملية،بخلاف شريعة هيئة الأمم المتحدة فإنها تدعو إلى المساواة التماثلية التي تؤدي إلى ضياع الحقوق وفساد الأوضاع:

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد في ديباجته على: تساوي الرجال والنساء في الحقوق مطلقا.

وجاء في المادة الثانية منه: لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دون ما تميز من أي نوع ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.

وجاء في المادة السادسة عشرة منه:”للرجل والمرأة متى أدركا سن البلوغ حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين، وهما يتساويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله”.

وهذه الدعوة مصادمة للتركيبة البشرية،والطبيعة الإنسانية،وتؤدي إلى تشتيت الأسرة وتخريب المجتمع وإلحاق الأضرار البليغة بأفراده من الذكور والإناث.

وقد انتقد علماء الغرب أنفسهم هذا المسلك المنحرف:

يقول الدكتور (ألكسيس كاريل): “الفروق التي توجد بين الرجل والمرأة لا تـرجع فقط إلى الاختلاف في هيئة الأعضاء التناسلية، ووجود الرحم، وعوارض الحمل، أو أسلوب التعليم، بل هي تعود إلى طبيعة أكثر أساسية، فالتباين بينهما ناتج عن تكوين الأنسجة نفسها وعن تشرب النظام الجسماني كله بمواد كيماوية معينة تخرج من المبيض، وقد أدى الجهل بهذه الحقائق الأساسية بأنصار حركة تحرير المرأة إلى الاعتقاد بضرورة التماثل في التعليم، والسلطة، والمسؤولية بين الجنسين، مع أن الحقيقة هي أن المرأة تختلف عن الرجل اختلافا عميقا، فكل خلية من خلاياها تحمل بصمات الأنوثة، ونفس الأمر ينطبق على أعضاء جسدها أيضا بل وفوق ذلك ينطبق هذا الأمر على نظامها العصبي نفسه.

إن القوانين الفسيولوجية (أي الخاصة بوظائف الأعضاء) صلبة كالقوانين التي تتحكم في حركة النجوم، ولا يمكن تبديلها برغبات البشر فعلينا أن نقبلها كما هي وينبغي على النساء تنمية قدراتهن انسجاما مع الإطار الذي وفرته لهن الطبيعة ! بدون محاولة تقليد الرجال.إن مساهمتهن في تقدم الحضارة البشرية أكبر بكثير من الرجال. وينبغي ألا يتخلين عن أدوارهن المتميزة”.

[1] رواه أحمد 5/411 بسند صحيح.

[2] رواه ابن حبان وإسناده صحيح كما في السلسلة الصحيحة 2802.

[3] مجموعة الفتاوى (6/256).

[4] أحكام الخلع في الإسلام ص9-10.

[5] سواء منها المتعلق بالعبادات أو بالمعاملات وكذا ما يرجع إلى الواجبات وما يرجع إلى المستحقات.

[6] رواه أحمد 6/256 و 377 وأبو داود 236 والترمذي 113، والدارمي 764, عن أبي هريرة مرفوعا. و قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.(هامش سنن الترمذي 1/190 ) وأصله في الصحيح: انظر صحيح مسلم310.

5 عون المعبود (1/275). وقد اختلف في صيغ جمع المذكر مثل: (المؤمنين) و(الأبرار), هل يدخل النساء في مطلق اللفظ أو لا يدخلن إلا بدليل؟ انظر لهذا المبحث: مجموعة الفتاوى (6/262) للإمام ابن تيمية رحمه الله.

[8] حقوق النساء في الإسلام ص 44

[9] البخاري 5885

[10] أحمد 2/325 وأبو داود 1098 وابن ماجه 1903 وصححه الحاكم والذهبي والألباني.

وسوم :

مواد ذات صلة

العلاقة بين عيسى ومحمد عليهما السلام

تاريخ النشر : 27/12/2016

عدد المشاهدات : 920

الإسلام والبيئة – مصطفى بنحمزة

تاريخ النشر : 10/11/2016

عدد المشاهدات : 254

جاري البودشيشي 1

تاريخ النشر : 26/12/2015

عدد المشاهدات : 1797

لماذا لا يأخذ المغرب برؤية الدول الإسلامية الأخرى؟

تاريخ النشر : 9/06/2015

عدد المشاهدات : 563

إجابة السائل عن حكم صيام المرضع والحامل

تاريخ النشر : 9/06/2015

عدد المشاهدات : 765

دلالات الندوة الرسمية حول السلفية المغربية

تاريخ النشر : 15/04/2015

عدد المشاهدات : 918

'