أنشطة وأخبار

الانقلاب المصري والتركي و(النفاق الديمقراطي) ..

تاريخ النشر : 15/07/2017

عدد المشاهدات : 254


الانقلاب المصري والتركي و(النفاق الديمقراطي) ..

بقلم: حمّاد القباج

في مثل هذا اليوم (15 يوليو / تموز) من السنة الماضية؛ أُعلِنَ فشل محاولة انقلاب إرهابي قصف بالطائرات الحربية والدبابات مواطني ومؤسسات دولة ديمقراطية تشق طريقها بقوة نحو استكمال تحررها وبناء نموذجها التنموي الديمقراطي الذي يستحق التشجيع من كل النخب المثقفة في العالم، والذي يمثل نموذجا مشرِّفًا لما يحلم به العرب العلمانيون -منذ عقود-؛ في نواديهم الفكرية ..
في الثالث من الشهر نفسه من عام 2013 انقلب الجنرال عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا ..
وبهذين الانقلابين اقترن شهر يوليو / تموز؛ بما يمكن أن نسميه: (مشروع إجهاض عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد العربية والإسلامية)
هذا المشروع الذي تؤدي فيه أنظمة عربية دور الوكيل عن دول إمبريالية يبدو أنها لم تشبع بعد من قصعة هذه الأمة التي فتك بها داء الوهن ..
وإذا كان التاريخ قد سجل بأن مثقفي الغرب قد لعبوا دورا بارزا في نهضة أممهم؛ وتحولها المكلف من الاستبداد إلى الديمقراطية؛ فإن هذا التاريخ سيشهد بأن عددا كبيرا من مثقفي العرب قد أسهموا في مشروع إجهاض الانتقال الديمقراطي في أوطانهم ..
لقد كشف الحدثان الانقلابيان عن وجود إشكالية حقيقية في سلوك المثقف العربي الذي طالما قام خطيبا في أسواق الليبرالية والعلمانية والقومية ..؛ يقرض الشعر وينثر معسول الكلام في تمجيد الديمقراطية وتقديس أدبياتها ودك حصون الرجعية والظلامية (الإسلامية)! التي لا تعرف شيئا عن معاني الحكم الرشيد والدولة الحديثة ..!
ضجت مدرجات الجامعات .. وقنوات الفضاء .. وأروقة الكتب والمعارض .. وأوراق الصحف والمجلات ..؛ بهذا الخطاب المعسول الجميل طيلة عقود من الزمن ..
وعند أول امتحان يختبر فيه صدق هؤلاء الخطباء، وفي أول هبة ريح من رياح شتاء عربي كثير العواصف؛ تساقطت أوراق التوت مسفرة عن عورات وسوءات ..
وَيَا لها من عورة قبيحة المنظر؛ تلك التي تظهر من المثقف العربي وهو يدافع عن انقلاب الجنرال السيسي؛ الذي وجد التأييد الكامل من أمثال: محمد حسنين هيكل؛ أحد كبار المثقفين المنظرين للديمقراطية في العالم العربي!
والذي بلغ دعمه للانقلاب درجة لم يطقها البرادعي نفسه الذي كان شريكا أساسيا في ذلك الانقلاب ..
أجل؛ ترك البرادعي الانقلابيين ورجع إلى بلده الأوروبي ليشجب فيه الخطوات غير الديمقراطية التي سار عليها قائد الانقلاب؛ محاولا بذلك المحافظة على شيء من ماء وجه أظلم بسواد الاستبداد العربي الحاد ..
أما غيره من خطباء الديمقراطية؛ فلسان حالهم يردد مع ذلك العربي المجنون: (اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وسود وجهي يوم تسود وجوه)!
لقد أزكمت أنوفنا في المغرب روائح من تلك العورة النتنة؛ لما جاءنا (مثقف) ملحد؛ يسب الدولة الإسلامية والنبوة والخلافة الراشدة ونظام البيعة ..؛ ويده ملطخة بعار إقرار ديكتاتورية الدولة السيسية والإعلام الدجال والفكر المزور ..
والذين استضافوه عندنا إنما هم أصحاب (حركة لكل الديمقراطيين) الذين قدموا أنفسهم للمغاربة في وقت ما؛ على أنهم المنقذون للديمقراطية المغربية من ضلال الإسلاميين الذين بدؤوا يكتسحون البرلمان ويتطلعون للمشاركة في السلطة !
وسرعان ما اكتشف المغاربة بأن الإسلاميين عندهم من احترام الديمقراطية ما لا يملك الآخرون عشر معشاره؛ والأدلة والشواهد التي تدين أدعياء الديمقراطية هؤلاء؛ موثقة في جرائدهم وبعض تصريحاتهم؛ كقول أحدهم: (تجربة السيسي في الإصلاح في مصر جديرة بالاهتمام)!
وما لنا نذهب إلى مصر؛ وعندنا شواهد تثبت تورطهم في تزكية النموذج الديكتاتوري للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي؟!
وقد قرأت قبيل ما سمي بالربيع العربي في جرائد القوم؛ دعوة بعضهم إلى استنساخ التجربة التونسية في المغرب؛ بصفتها من أفضل التجارب الديمقراطية في العالم العربي!
أما بعد دخول بعض الإسلاميين إلى بعض أروقة الحكم والتدبير؛ فقد أعلن عدد من المثقفين كفرهم بالديمقراطية؛ وبدؤوا يبحثون عن تأويلات تجعلهم في حل من التزاماتهم السابقة لقرائهم ومتابعيهم!
وهنا ينتكس العقل (المتمدن) -سعيد لكحل نموذجا- الذي لجأ لتقليد شيوخه المصريين؛ فأظهر كفرا صراحا بالديمقراطية، بل إنه صار من الدعاة إلى هذا الكفر الذي لم يدخر في سبيله كذبا ولا تزويرا ..
وسيبقى هراؤه في إرهاب الدولة من ترشحي في الانتخابات البرلمانية السابقة؛ نموذجا مضحكا مبكيا لديمقراطية المثقف العربي ..
وبالمناسبة: فإن قصتي مع أدعياء الديمقراطية لم تقتصر على سعيد لكحل وأمثاله ممن يصنفون في خانة المثقفين العرب؛ بل كانت فيها فصول مع بعض ممثلي السلطة الذين جحدوا جهود سنوات بذلتها للمصالحة بين بعض المتدينين والديمقراطية؛ ومنعوني من حقي في الترشح باسم “عدم احترامي للخيار الديمقراطي الذي يرسخه الدستور المغربي”!
إنه نموذج مغربي صغير يشبه إلى حد ما التجارب العملاقة لرعاة مشروع الإجهاض الديمقراطي الذين سُخّروا لإرجاع الشعوب العربية إلى بيت الطاعة؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت الاستبداد والقهر والفساد ..
ويكفي أن تقوم بجولة سريعة بين أكثر القنوات المصرية والخليجية؛ لتشعر بتخمة وأنت تحاول هضم مشاهد وحقائق الاستبداد العربي، ومشاهد الذين يزكونه ويسعون لترسيخه من السياسيين والصحافيين والإعلاميين أدعياء الديمقراطية ..
ومع أن الانقلاب التركي فشل؛ فإن داعميه من العرب لم يستطيعوا إخفاء أسفهم على ذلك الفشل!
ولو نجح لاكتمل المشهد المخزي؛ ولرأيت العرب الليبراليين دعاة الحرية والديمقراطية يتمحلون في تضليل الرأي العام العربي؛ لإقناعه ب(ديمقراطية الانقلاب)، وأنه مشروع ديمقراطيا لإسقاط حكم (الإخوان)!
لكن الشعب التركي قطع الطريق على هذا العقل المنتكس الذي يفضّل ديكتاتورية العسكر وفساده على ديمقراطية أردوغان وإصلاحاته التنموية الهائلة التي نهضت بتركيا وجعلتها نموذجا مشرفا لباقي دول العالم الإسلامي ..
لقد شكل الانقلاب المصري ومحاولة الانقلاب التركي حدثا تاريخيا ذَا حجم يصعب معه تغطية هذه السوءة التي انكشفت من جسد المثقف العربي العلماني ..
وحتى لو حاولنا تغطيتها إيثارا لسلوك الستر الذي قد يساعد على فتح باب حوار جاد بين النخب العربية …
حتى لو حاولنا ذلك؛ لما تركَنا حدث #مقاطعة_قطر ننجح في ذلك الستر!
وَيَا لعار المثقف العربي الذي يجد وجها يقف به أمام الجمهور لتزكية وتسويغ مطلب إغلاق قناة يعرف كل إنسان عربي أنها أنجح قناة عربية في رفع شعار: الرأي والرأي الآخر …
وحتى لو سلِمَ لنا انتقاذها في بعض الجزئيات المتعلقة بذلك؛ لما استطعنا إيجاد منافس لها، فضلا عن بديل ..
ولن أستشهد لإثبات ذلك بأكثر من أن أحكي لكم تجربتي الشخصية:
حيث قضيت أسابيع من شهري رمضان وشوال؛ مجاورا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ..
وإذا كانت أوقات العبادة والقراءة والكتابة هي أفضل وأمتع لحظات برنامجي في تلك المجاورة؛ فإن وقت مشاهدة الأخبار كانت هي أكثر الأوقات حزنا وأسفًا!
لأنني لم أكن أجد في قنوات الفنادق؛ قناة تتبنى إعلاما مهنيا حرا يحترم عقل المشاهد؛ وإنما هي محطات رسمية أو شبه رسمية؛ يطغى على أكثرها التحيّز الهجين لوجهة نظر وحيدة يتم التنويه بها بشكل يقترب بها من التمجيد ويجعل المنوه قاب قوسين أو أدنى من التسبيح بحمدها !
حتى أن محللا سياسيا معروفا -وهو أستاذ جامعي يُدَرّس العلوم السياسية منذ سنوات-؛ قال لقناة بريطانية بالحرف -وهو يدافع عن الموقف السعودي: “هؤلاء أولياء الأمور وهم أدرى بمصلحة البلد”.
فجعلت أتأمل: هل فعلا أنا أمام أستاذ جامعي ومحلل سياسي؛ أم أمام شاب من أولئك الشباب المغرر بهم من أتباع التيار المدخلي؟!
وإلا فَلَو كان الأمر كما زعم؛ فما الحاجة إلى الإعلام والصحافة والمعارضة السياسية الناصحة وتدريس العلوم السياسية في الجامعات وتأسيس مجالس البيعة والشورى وو..؟!
إنها سنوات وعقود من التنظير العربي العلماني والليبرالي للديمقراطية؛ افتضح زيفه بمثل هذه السلوكيات المؤسفة التي تنادي بسكتة دماغية أصابت العقل العربي العلماني ..
وقد ينفذ مداد القلم قبل أن تنفذ نماذج هذا المشهد المؤسف الذي ظهر به عدد من المثقفين والسياسيين العرب؛ والذي لا أرى داعيا لتكلف البحث عن عنوان يعبر عنه؛ وإنما أقول باختصار شديد: إنه النفاق الذي يعتبر أخطر داء يسبب فشل العرب ويجر عليهم كل أنواع البلاء …
ولم يعرف أن العرب حققوا إنجازا مادام النفاق معششا في خيمهم ..
ومن هنا كان تطهير المجتمع المسلم الأول من النفاق وصيانته من مكائد المنافقين أحد أهم أسباب نجاح النهضة العربية والإسلامية زمن البعثة النبوية المباركة ..
وهنا نستحضر موقف القرآن الصارم من مسجد الضرار الذي حاول المنافقون تأسيسه ليعقدوا فيه مجالسهم التي تنفر من القرارات النبوية وتثير الشكوك في نفوس الضعفاء حول العقائد والأحكام الدينية ..
واستدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه؛ فنزل القرآن ينهى عن ذلك: {لا تقم فيه أبدا}
وفي هذا السياق؛ جرت أحداث غزوة تبوك؛ التي مارس فيها المنافقون تخذيلا ماكرا بإشاعتهم السخرية والتهكم من قرار استباق الهجوم الروماني؛ وجعلوا يشيعون بين المسلمين التساؤل التالي: كيف يأمرنا بغزو بلاد بعيدة وقوم أشداء في حر شديد وقلة ذات اليد؟!
وجعلوا يسخرون من قادة الجيش المسلم؛ ويشككون في قدرتهم على الوقوف أمام الرومان الذين يفوقونهم عددا وعدة ..
هذا هو دور المنافقين في هذه الأمة: تعظيم مطلق للخصم والعدو، واستخفاف بكل موقف مشرف يمكن أن تصل إليه أمة الإسلام بالبذل والتضحية؛ ولذلك قال الله تعالى عنهم: {هم العدو فاحذرهم}
إن سلوك النفاق يظهر الإنسان في صورة جميلة وهو يتحدث عن الأمور الجميلة؛ كالإسلام والعدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية ..
فإذا دُفِعَ إلى ترجمة القول إلى فعل؛ انقلب ذلك الجمال كله إلى قبح كريه المنظر سيّء المخبر:
قال الله تعالى عن المنافقين: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة}
ماذا عن الغرب؟
أختم هذه المقالة بالتأكيد على أن الدول الغربية استغلت هذا الواقع العربي المشين أحسن استغلال؛ ولم تجد أية غضاضة في إعلان الوقوف في وجه الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي؛ ودعم الديكتاتوريات مهما كلّفها الثمن ..
وحسبنا أن دولة ديمقراطية بحجم ألمانيا؛ تورطت في هذا السلوك المشين واتخذت مواقف لا ديمقراطية من الانقلابين المصري والتركي؛ فمع كون علاقاتها قوية بتركيا تاريخيا وسياسيا واقتصاديا ..؛ نراها تمتعض من الإصلاحات الديمقراطية التي شهدتها تركيا أردوغان؛ ولم تتخذ الموقف المطلوب ديمقراطيا من محاولة الانقلاب التي جرت في مثل هذا اليوم من السنة الماضية …
ولا تزال العلاقة بين البلدين قائمة على التوتر والاحتقان؛ وفي المقابل تعمل ألمانيا على إقامة علاقات جيدة مع النظام المصري الذي تقتضي أدبيات الديمقراطية وحقوق الإنسان مقاطعته وعقوبته!
هذا الموقف من الديمقراطية العربية يدل على أن التوجه المهيمن على الدول الغربية هو التوجه الذي يؤمن بالاصطدام والعنف والظلم الإمبريالي؛ وليس التوجه الذي يؤمن بالتسامح والتعايش والاحترام المتبادل بين الناس؛ وهنا أشيد مرة أخرى بالفكر القرضاوي الذي روجت له قطر؛ والذي قدم للعالم دروسا قيمة في السلم والتعايش العالميين القائمين على العدل ونبذ الظلم والعدوان وحفظ كرامة الشعوب وضمان حقها في الحرية والاستقلال ..
ولولا نفاق الديمقراطية العربية؛ لوجد هذا الفكر القويم طريقه نحو ممارسة سياسية عالمية تملأ الدنيا عدلا وسلما بعد أن ملئت ظلما وإرهابا ..
إن موقف الغرب من الانقلابين المصري والتركي؛ يؤكد بأن النفاق الديمقراطي ليس خاصا بالعرب؛ بل إنه سمة بارزة في ما يسمى: النظام العالمي الجديد؛ تجعل منه صورة بارعة الجمال مشرقة بالخير حين تنظر إليها في مرآة الأقوال والتنظيرات التي تمجد الديمقراطية واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان …
فإذا نصبت مرآة الأفعال والمواقف؛ ظهر لك ذلك الوجه القبيح المظلم ..

وسوم :

مواد ذات صلة

فقهاء المغرب والخيار الديمقراطي

تاريخ النشر : 8/07/2017

عدد المشاهدات : 756

حق المرأة في الخلع

تاريخ النشر : 25/04/2016

عدد المشاهدات : 496

معالم الأسرة في القرآن والسنة

تاريخ النشر : 20/04/2016

عدد المشاهدات : 459

المغاربة في مواجهة عولمة الشذوذ الجنسي

تاريخ النشر : 16/04/2016

عدد المشاهدات : 761

'